«الدبّ» الروسي و «حروبه» الرقمية والأخبار «الكاذبة»

مودي وبوتين قبل لقائهما (أ ب)
نيودلهي – أمينة خيري |

كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستعدّ لتناول حساء البطيخ مع سمك السلمون، وبعده لحم الضأن والدجاج المشوي، على مائدة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي مساء الجمعة، فيما كان الحضور في قاعة قريبة من المأدبة يستمع إلى سرد عن طابع نشاط «الدبّ» الروسي على الشبكة العنكبوتية (الويب).


«الدبّ على الويب»– وهو عنوان الجلسة ضمن فعاليات المؤتمر السنوي الذي ينظمه «مركز الرصد والبحوث» الهندي في العاصمة نيودلهي- بقي مراوغاً عصياً على المكاشفة في ما يفعله على الشبكة. على رغم أن الدبّ الروسي من أكثر الكلمات تداولاً وبحثاً وتنقيباً على الإنترنت، إلا إنه الأقل حديثاً عن نفسه وشرحاً لكيانه وأدواره السيبرانية على الشبكة.

وجود الروس على الشبكة مكثف، لكنه مدروس ذو نكهة روسية خالصة، قلباً وقالباً. العملاق البحثي للدبّ الروسي هو «ياندكس»، لا «غوغل»، والوجود الأبرز للشباب على «لينكد إن»، لا «فايسبوك»، وروسيا بالنسبة إلى مستخدميها للإنترنت لم تتدخل في انتخابات الرئاسة الأميركية. أما المصدر الرئيس للمعلومات والأخبار فيبقى شبكات التلفزة الخاضعة للحكومة.

سألت «الحياة» المتحدثين الروس الخمسة عن موقف المواطن الروسي العادي ممّا يُثار في العالم عن تدخل بلادهم في تسيير نتائج استفتاءات وانتخابات في دول أخرى كبرى، وتوجيهها وتحديدها، أبرزها انتخابات الرئاسة الأميركية، وهل يُعتبر ذلك مؤشر قوة ونجاح لبلادهم. أجمعت الغالبية على عدم وجود دليل على هذا التدخل «المزعوم».

خبير الديبلوماسية الرقمية في مركز بحوث روسي أوليغ شاريكوف قال إن معظم مواطنيه لم يسمع بهذا التدخل المزعوم، وحين سمع لم يصدّقه وسخر من مروّجيه. وأضاف: «الروس لا يصدقون أن بلدهم يتدخل في اختيار رؤساء الدول الأخرى. لذلك لا يكترثون بما يُقال في الخارج عن تدخلات روسية عنكبوتية، هنا وهناك. ليس ذلك فقط، بل لدينا عادة إلقاء اللوم دائماً على الأميركيين، لذلك نقول ساخرين إن (الرئيس الأميركي السابق باراك) أوباما خطط لانتخاب (خلفه دونالد) ترامب رئيساً».

ومن لوم أوباما إلى التعليل بعدم الثقة في كل ما هو «غير روسي». تؤكد رئيسة تحرير «شبكة الديبلوماسية الابتكارية» فيكتوريا إيفانتشنكو أن الروس «في شكل عام لا يثقون بالمواقع الأجنبية للتواصل الاجتماعي، بصفتها مصدراً للأخبار أو حتى لتبادل الآراء»، مضيفة أن «عدم الثقة بالمنصات الأجنبية والخشية من المحتوى المفتوح من دون ضبط، سمة لدينا».

ويبدو أن «الضبط» الذي حاولت روسيا أن تنجزه أخيراً لكبح الأخبار «الكاذبة»، يشي بالكثير عن موقف «الدبّ على الويب».

يقول شاريكوف إن «أخباراً مغلوطة وكاذبة ومفبركة» نُشِرت على تطبيق «تلغرام»، ما دفع السلطات في روسيا إلى محاولة تعطيله قبل أسابيع. وعلى رغم فشل المحاولة، يشير شاريكوف إلى مواقع مهتمها تفنيد الأخبار الواردة على «تلغرام»، لتأكيد صحتها أو كذبها.

«كذب الأخبار» يسميه الخبثاء «معارضة سياسية» أو «تلويحاً بتظاهرة» أو «حديثاً عن غضب شعبي». لكن شاريكوف يرجّح أن يكون «خطر إرهاب» أو «مؤامرة» أو «محاولة لإثارة بلبلة».

البلبلة التي أثارتها موسكو قبل أيام، حين استنكرت دول أوروبية «خطط قرصنة» روسية، لم تُطرح على مائدة الحوارات وحديث الأخوة والتبادل التجاري والتعاون العسكري بين الهند وروسيا. لكنها طُرِحت وراء أبواب مغلقة بإحكام، وفي جلسات مهمتها التكهّن بما نحن مقبلون عليه، في عصر الحروب والديبلوماسية الرقمية والسياسات السيبرانية ونزع الأسلحة المعلوماتية والتجارة غير المشروعة في البيانات والمعلومات.

تُثبت زيارة بوتين الهند نجاحاً بالمضيّ في تصدير صواريخ وفرقاطات. ويواصل الباحثون العنكبوتيون والخبراء الرقميون المضيّ في البحث في أخلاقيات الشبكة ومستقبل البشرية، في ظلّ الهيمنة الرقمية ومآل الحروب الرقمية، حيث البقاء للأقوى عنكبوتياً.