«بريكزيت» يشق المجتمع البريطاني ... ويحرّضه على ذاته

بريكزيت
برمنغهام (انكلترا) - منال لطفي |

«ما هي بريطانيا الجديدة التي يريدون أن يحتفلوا بها. هذه المرحلة التي يتحدّثون عنها بوصفها ولادة جديدة هي بالنسبة لكثر كابوس لا يبرر أي احتفال»، تقول الشابة جاستين سولمون على هامش المؤتمر السنوي لحزب المحافظين البريطاني الحاكم في مدينة برمنغهام، تعليقاً على إعلان رئيسة الوزراء تيريزا ماي إقامة «مهرجان بريطانيا العظمى وإرلندا» بعد إتمام «البريكزيت» عام 2022 احتفالاً بفتح بريطانيا «صفحة جديدة» من تاريخها، و «تعزيزاً لاتحادنا الثمين» على حد قول ماي.


الغضب والاستياء من الفكرة يتجاوز أن ماي وضعت 120 مليون جنيه إسترليني لتمويل المهرجان، بينما الشرطة وبرنامج الرعاية الصحية والمدارس تحتاج إلى تعزيز تمويلها بسبب الاستقطاعات المتواصلة.

فرئيسة الوزراء وأعضاء حكومتها قدّموا تصوراتهم لبريطانيا بعد «البريكزيت» الأسبوع الماضي خلال المؤتمر السنوي للحزب الحاكم، وهي أصابت بريطانيين وأوروبيين كثراً مقيمين في بريطانيا بالذعر، لأنها وفق وصف كثيرين «تنهل من أسوأ ما في خطاب القومية المنغلق».

فمن المقترحات التي أطلقها وزير الداخلية ساجد جاويد بعد «البريكزيت» تشديد «اختبارات المواطنة» قبل إعطاء الأجانب الوافدين الجنسية البريطانية. وأوضح أنه في بريطانيا بعد البريكزيت «يجب على المهاجرين اتباع القيم البريطانية وليس مجرّد اجتياز اختبار الحانة (كناية عن السهولة) عن هنري الثامن».

وشدد جاويد على أن المهاجرين إلى بريطانيا يجب أن «يفهموا قيم المملكة المتحدة، وأن عليهم في المستقبل اجتياز اختبار جديد للمواطنة للحياة فيها. وأن جزءاً هاماً من الاختبار الجديد سيكون امتحاناً أكثر صرامة في التحدّث باللغة الإنكليزية».

كما قال جاويد إن المهاجرين الجدد في حاجة إلى فهم أن بريطانيا دولة «ليبيرالية وديموقراطية»، وأن أي ممارسات تتعارض مع ذلك لن يسكت عنها.

وتقول ليلى داود، وهي من مؤيّدات الحزب عادة، أن اللغة المستخدمة في خطاب جاويد «أزعجتها». وتوضح: «البريكزيت أكبر فعل سياسي أحدث استقطاباً وانقساماً حاداً في بريطانيا خلال أكثر من نصف قرن. وعلى رغم أن الدولة تستطيع أن تفعل المزيد من أجل الاندماج الاجتماعي عموماً، إلا أنني لا أفهم لماذا تحدّث وزير الداخلية عن الاندماج والبريكزيت في الجملة ذاتها». وزادت: «هل الرسالة أن عضوية الاتحاد الأوروبي والهجرات من أوروبا كانت هي المانع أمام حدوث الاندماج؟ طبعاً هذا غير حقيقي. وتصوير الحكومة أن الاندماج الاجتماعي سيتحسّن بعد البركزيت رسالة خاطئة للمهاجرين الموجودين في بريطانيا، والذين يريدون أن يأتوا».

لم يكن هذا هو السبب الوحيد للغضب على جاويد. فقد أعلن أيضاً أنه بعد «البريكزيت» ستقلّص الحكومة تماماً ما سمّاه «العمالة الرخيصة غير المؤهلة» من بلدان الاتحاد الأوروبي، ما أثار غضباً عارماً وسط الأوروبيين المقيمين في بريطانيا، وبريطانيين كثر يعتمدون على العمالة الأوروبية في قطاعات الزراعة والإنشاءات والمواصلات والفنادق والمطاعم.

وقال جودرين، السائق الروماني الذي يعيش ويعمل في بريطانيا منذ أكثر من 10 أعوام: «بالطبع شعرت بالغضب. أنت لا تتوقع تمييزاً عنصرياً ضد العمالة من أوروبا على أساس المهارات والدخل. ما نقوم به هنا أفاد الاقتصاد البريطاني، ومن المؤسف أن الحكومة تقيّمنا الآن على أساس أننا عمالة غير مؤهلة. لا عجب في أن نسبة المهاجرين الأوروبيين القادمين إلى بريطانيا انخفضت أكثر من 50 في المئة منذ البريكزيت 2016».

ويتابع: «ذلك الخطاب الحكومي موجّه إلى أكثر المتشددين في حزب المحافظين، الذين لطالما شنّوا هجوماً متواصلاً على الهجرة والعمال الأجانب من شرق أوروبا. هناك أكثر من 3.5 مليون أوروبي يعيشون في بريطانيا وللأسف كثر منهم لم يعودوا يشعرون بالاطمئنان أو الترحاب. فسياسات الهجرة الجديدة واختبارات المواطنة لتحديد من هو البريطاني الحقيقي ومن هو غير البريطاني، تصب في خطاب داعمي البريكزيت الرافض للأجانب والمهاجرين».

ومن «اليوتوبيا» المفترضة إلى «الواقع المرير» يشعر بريطانيون وأوروبيون مقيميون في بريطانيا بقلق متزايد مع اقتراب موعد «البريكزيت» في 29 آذار (مارس) 2019. وبدأت الحكومة في الكشف عن بعض عناوينها السياسية الكبيرة لبريطانيا ما بعد الخروج، ومن بينها خفض الضرائب على الأغنياء إلى معدلات قياسية ستصبح الأدنى بين مجموعة الـ20 الاقتصادية، والحدّ من الهجرة، ووقف أي معاملة تفضيلية للمهاجرين الأوروبيين.

ولم تقصّر الحكومة في محاولة «طمأنة» المواطنين، معلنة أنه في حال عدم التوصّل إلى اتفاق مع الاتحاد الأوروبي، ستعتمد خطط طوارئ في مقدّمها الطلب من شركات الأدوية تخزين أدوية أضافية لمدة ستة أسابيع لضمان توافرها في الأسواق، فضلاً عن تخزين مواد غذائية، مع تحذير أن أسعارها قد ترتفع نحو 30 في المئة بعد «البريكزيت» بسبب التراجع في سعر الجنيه الإسترليني والتعرفة الجمركية التي ستفرض على الواردات من أوروبا. كما طلب من شركات الطيران الاستعداد لسيناريو توقّف حركة الرحلات بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، لأن تراخيص الطيران بين الطرفين لن يُصبح معترفاً بها. وبعد الخروج، سيخضع الركاب في بريطانيا لفحص أمني إضافي عند تغيير الرحلات الجوية في الاتحاد الأوروبي. وستعلّق خدمات الحافلات والأتوبيسات إلى بلدان الاتحاد ومنها، فضلاً عن احتمالات فقدان البريطانيين الذين يعيشون في بلدان أوروربية أخرى إمكان الوصول إلى الخدمات المصرفية والمعاشات التقاعدية في بريطانيا. كما أنه في حال إتمام الطلاق من دون إتفاقية، سيحتاج البريطانيون الراغبون في السفر إلى أوروبا إلى التقدّم بطلب التأشيرة قبل فترة من موعد رحلاتهم.

«عندما أقرأ الترتيبات الاحترازية التي تضعها الحكومة في حالة الخروج من الاتحاد من دون اتفاق أصاب بالدوار. أشعر أن كل ما تعوّدنا عليه ونحصل عليه كمسلّمات، في مهب الريح. فبعدما كنت أجول أوروبا بسيارتي من دون رخصة دولية أو تأشيرة أو حدود، سيكون لازماً أن أحصل على تأشيرة ورخصة قيادة دولية أولاً. هذا جنون»، تقول سولمون بكثير من اليأس.

وأخذة في الإعتبار أن غالبية البريطانيين يشعرون مثلها بضبابية الوضع بعد «البريكزيت» يمكن تصور ردّ الفعل عندما أعلنت ماي خلال المؤتمر فكرتها لـ «مهرجان بريطانيا العظمى وإرلندا الشمالية»، وهي الفكرة التي وصفتها سالمون بأنها «تبدو خارج الزمان والمكان».

وقد وصف «10 داونينغ ستريت» (مقر رئاسة الحكومة) المهرجان بأنه «مهرجان وطني للاحتفال بالإبداع والابتكار في المملكة المتحدة». والفكرة مستوحاة من «المعرض الكبير» عام 1851 خلال عهد الملكة فيكتوريا احتفالاً بالإنجازات الصناعية البريطانية. وكذلك «مهرجان بريطانيا العظمى» بعد الحرب العالمية الثانية في عام 1951، احتفالاً بانتهاء الحرب العالمية وبدء بريطانيا حقبة جديدة من تاريخها تقوم على التعاون مع شركائها الأوروبيين.

وقالت ماي: «قبل نحو 70 عاماً، كان مهرجان بريطانيا العظمى بمثابة رمز للتغيير. مرة أخرى تقف بريطانيا على أعتاب مستقبل جديد كدولة تجارية عالمية تتوجّه إلى الخارج (...). وكما احتفل ملايين من البريطانيين بإنجازات أمتهم العظيمة في عام 1951، فإننا نريد أن نعرض ما يجعل بلدنا رائعاً اليوم. نريد أن نلتقط هذه الروح للجيل الجديد. نحتفل بتنوّع أمتنا ومواهبنا. ونحدد لحظة التجديد الوطني هذه من خلال احتفال يحدث مرة واحدة في كل جيل». ومن المتوقع أن يبدأ المهرجان في مطلع عام 2022، أي قبل أشهر من موعد الانتخابات العامة المقبلة، وسيتزامن ذلك مع دورة ألعاب الكومنولث في مدينة برمنغهام، ويتوقع أن يكلّف 120 مليون جنيه إسترليني. لكن الحكومة تأمل في أن تجلب بلايين الجنيهات من الاستثمار إلى بريطانيا ما بعد خروجها من الاتحاد.

ومن غير المستغرب أن كثراً من الذين صوّتوا للبقاء في الاتحاد استقبلوا أخبار المهرجان المقترح بسخرية بالغة. وتحت هاشتاغ «مهرجان من أجل بريطانيا العظمى بعد البريكزيت»، عبّر عشرات عن الامتعاض من الفكرة ومن التصوّر المتخّيل لبريطانيا بعد «البريكزيت»، إذ يعتبرون ذلك بمثابة

احتفال بتحول بريطانيا إلى «جزيرة صغيرة، مغلقة، معادية للاجانب، غير ذات أهمية، وجهت لنفسها لكمة هائلة على الوجه (...). يا لها من لحظة مبهجة».

كما تساءل بعضهم كيف سيكون «مهرجان بريطانيا العظمي وإرلندا»، بينما يناقش المواطنون في إسكتلندا وإرلندا الشمالية الإنفصال عن بريطانيا لأن الغالبية هناك لم تصوّت لـ «البريكزيت» ولا تدعمه.

أما ديفيد لامي، النائب البارز عن حزب العمال المعارض، فلخّص التناقضات بقوله: «فكرة تيريزا ماي هي جهل بالتاريخ (...)، عندما أقام حزب العمال مهرجان بريطانيا العظمي في عام 1951 كان ذلك إيذاناً بعصر جديد من النمو والتعاون الدولي والانفتاح. ما يحدث حالياً هو العكس».

ليس هناك «يوتوبيا» بعد «بريكزيت» (اكسبوزي)معارضون لـ «بريكزيت» عدلّوا بوستر مهرجان 1951 ليظهر بريطانيا 2022 تطلق الرصاص على نفسها (ريتشارد ليتلر)