جلسات عشائرية تفضّ حالات طلاق عجزت عن حسمها محاكم عراقية

حين يعلو العرف العشائري على القانون (ديوان)
بغداد – خلود العامري |

قررت فاطمة محمد حنون أن تسلّم طفلها الذي لم يتجاوز السنتين إلى عائلة زوجها، بعد اتفاق عشائري حسم القضية التي عجزت محكمة الأحوال الشخصية عن إنهائها لمصلحة أحد الطرفين. وقضى «الحل» بأن يسمح للوالدة برؤية طفلها في منزل شيخ العشيرة مرة واحدة كل أسبوعين.


التسوية التي توصّلت إليها العائلتان أنهت طريقاً طويلاً من الجلسات المطوّلة في المحاكم والشجارات المستمرة والتهديدات الدائمة بين الطرفين. وكان والد فاطمة وشقيقها داعمين لها في القرار مثلما فعلت والدتها التي قالت لـ «الحياة»: «عندما يكبر ابنها سيذهب إلى أهله ولن يفضّل العيش معها. فهي ليست ميسورة الحال لذلك أقنعتها بقبول الصفقة العشائرية التي تسمح لها برؤية ابنها وإبقائه معها يوماً كاملاً، فهي لا تزال في ريعان الشباب وعندما ستتزوج مجدداً ستنسى مأساتها وتنشغل بتأسيس عائلة جديدة».

منظر الشابة العشرينية التي رفضت الحديث لا يوحي بأنها راضية تماماً بالاتفاق المبرم. فقد كانت تبكي بحرقة كلما ذكرت والدتها أمامها اسم ابنها أمجد، وكأنها رضخت للواقع كي تنهي المماطلة فحسب وليس لقناعتها بمفارقة صغيرها. لكن والدتها تابعت حديثها محاولة تشجيعها، لأنه «لو تمسّكتِ بالطفل أكثر فستجبرك العشيرة على العيش مع والده وقرارك كان صائباً. فلا تخافي من أن يتربّى بعيداً منك، سيدرك لاحقاً أهمية حنانك وسيذكرك دائماً ويزورك حتى لو تزوجتِ وأنجبت الكثير من الأطفال».

عبارة الأم الأخيرة أطلقت لسان الابنة «المصدومة»، فقالت: «لكنهم سيقولون له أن والدتَك تخلّت عنك عندما كنت صغيراً، ولو كانت تحبك لتحمّلت كل ما يفعله بها والدك من أجلك».

صمتت الأم قليلاً قبل أن تعود إلى عباراتها التشجيعية مجدداً، وتقول: «لا تخافي، لن يبقى طفلاً مدى الحياة عندما يكبر سيفهم. هل تذكّرت الكدمات التي كانت تغطي جسدك أسابيع ويدك التي تعرّضت للكسر بعدما ضربك والده بالمطرقة؟ لو بقيت مع ذلك الرجل لانتهت حياتك قبل أن تتمكني من تربية ابنك وإيصاله إلى مرحلة الشباب».

جملة الأم أسكتت المرأة الشابة كأن مخيلتها أسعفتها، وأن عقلها أخبرها أن ما حدث قد حدث ولن تكون الأوضاع أفضل لو تمسّكت بالطفل.

فاطمة وكثيرات غيرها ممن عجزن عن إقناع القضاة والباحثات الاجتماعيات بضرورة الانفصال عن الزوج أو أخفقت مختلف الطرائق عن موافقتهن بالتنازل عما يطلبن، تحسم قضاياهن في زوايا مضايف شيوخ العشائر في حال كان الزوجان من عشيرتين مختلفتين، وداخل مضيف العشيرة الواحدة في حال كانا من الأقارب.

غالبية التسويات التي تتم في تلك الأروقة المغلقة تنتهي بتنازل كل طرف عن بعض استحقاقاته وإن كانت في أحيان كثيرة تغلب كفة الرجل على المرأة، لا سيما في ما يتعلّق بحضانة الأطفال، فتحكم العشيرة بتسليمهم إلى الأب الذي يتعهّد أمامها بالتربية ويعرب عن خجله من أن يسمح لابنه بأن يتربّى بين الأخوال ويصبح خادماً لهم، فيما تفضّل معظم أسر المطلّقات إرسال أولاد بناتها إلى الآباء وإقناع الأمهات بالزواج مجدداً خوفاً من تحمّل المسؤولية، ولأن معظم الآباء يطلبون من أسر زوجاتهم التعّهد بتربية الأطفال والصرف عليهم ويهددون بإقامة الحد عليهن في حال مرض أحدهم أو وفاة بأي حادث.

تعلّق والدة فاطمة: «اشترط علينا أن نتعهّد بالصرف على الطفل، وقال أنه في حال تعرّض طفله لأي مكروه سيحرق علينا بيوتنا ويطالبنا بفصل عشائري ودفع الدية. والحقيقة أنني لا أستطيع أن أضمن ذلك، فهو في النهاية طفل وقد يتعرّض لمكروه مثل غيره من الأطفال، لذا قمنا بتسليمه في مقابل الطلاق وتنتهى الأمر».

وأضافت الأم وهي تتوجه بحديثها إلى ابنتها، مخففة عنها: «تذكّري أنك تخلّصت من رجل أرعن، وأنه على رغم قساوته لن يؤذي طفله مثلما كان يفعل معك. كما أن جدته تحبه ولن تسمح له بذلك». ثم مسحت دموع ابنتها وطلبت منها أن تغسل وجهها وتصلّي لأجل أن يعيش ابنها بسلام مع أبيه».