عدسات هواتف خليوية تجرّد جزائريين من إنسانيتهم

النزوع نحو استخدام «الوسائل الذكية» لأغراض غير مثمرة وغير أخلاقية أمر مستهجن (لاش أنجل)
الجزائر - أمين لونيسي |

بتجاهل نافر للقانون والانعكاسات الاجتماعية والنفسية، يسيء كثر في الجزائر لأشخاص، إذ ينشرون صورهم على منصات التواصل الاجتماعي من دون علمهم، بعدما يلتقطون لهم فيديوات أثناء حوادث مميتة أو بالأحرى وهم في سكرات الموت. وعلى رغم مرور نحو شهرين على حادثة انفجار أنبوب للغاز المسال في براقي قرب الجزائر العاصمة، والذي أودى بحياة شخصين وإصابة آخرين بحروق، إلا أن ذاكرة رواد مواقع التواصل لا تزال تعج بتصرّفات متجمهرين حول الحادث، تسيء إلى كرامة الضحايا.


وبدعوى إظهار لامبالاة عدد من سائقي المركبات على الطريق المجاور لموقع الانفجار، لنقل جريح كان يسير بتثاقل وهو في وضع نفسي وصحي مزر، تناقل كثر المشهد المرير الذي صُوّر بعدسات هواتف خليوية ومن زوايا متعددة. كما شغّل آخرون كاميرات هواتفهم والتقطوا مقاطع فيديو لضحايا تفحّموا ولفظوا أنفاسهم الأخيرة، من دون استحضار معاني الإنسانية في هذا الجانب.

إساءة في الفرح والترح

وينطبق الأمر على الدكتورة عويسات عائشة الأستاذة في جامعة الوادي (جنوب) التي توفيت في مستشفى ورقلة إثر تعرّضها للسعة عقرب، فانتشرت لها صور وهي في غرفة الإنعاش، ما دعا زملاءها وتلامذتها إلى استهجان هذه الأفعال وتوجيه نداء من أجل الكف عن نشر صور لها.

ويعج الـ «فايسبوك» والـ «يوتيوب» بصور وفيديوات لمرضى بلغوا درجة متقّدمة من المرض، بيدَ أن أسرهم وأصدقاءهم لا يتوانون غالباً عن نشرها بنية الاستعطاف أو طلب الدعاء وأحياناً الاستعراض، في حين أن الأمر لا يحتاج إلى هذا الأسلوب لنشر صور تسيء إلى حرمة المرضى والموتى.

وتصل «الإساءة» إلى قاعات الأفراح بعد تسريب فيديوات وصور من حفلات يُفاجأ المدعوون إليها، خصوصاً من العائلات والنسوة المحافظات، بصورهن على مواقع التواصل الاجتماعي، ما دفع إلى كتابة ملاحظة على بطاقات الدعوة تمنع التصوير بالهاتف الخليوي، فيما آخرون يعلّقون ورقة تحمل العبارة ذاتها عند مدخل القاعة المخصصة للنساء.

وتندرج ظاهرة نشر صور فيديوات الغير في خانة المساس بحرمة الحياة الخاصة للأشخاص. وينص القانون الجزائري على سجن من ينشرون صوراً وفيديوات الغير ويضعونها في متناول الجمهور، مدة تتراوح بين 6 أشهر و3 سنوات. لكن المسألة تختلف عندما يُقدم عليها أهالي الضحية أو المقرّبون منهم، ما يستدعي تدخّل هيئات رقابية أخرى.

ويرى نسيم بلور، الخبير في تكنولوجيا الإعلام والاتصال، أن استخدام الهواتف الذكية لتبادل المعلومات للمشاركة في إنتاج المعرفة ومناقشة قضايا أو انتقاد الفساد هو عمل جيد. لكن النزوع نحو استخدامها لأغراض غير مثمرة وغير أخلاقية مثل تبادل صور العنف أو التصوير أثناء الحوادث بدلاً من التدخّل للإنقاذ، فذلك أمر مستهجن.

ظاهرة عالمية

ويلفت بلور إلى أن هذه الظاهرة عالمية، خصوصاً مع تطبيقات مثل «سنابشات» يستخدمها مراهقون. ويشدد في تصريحات لـ «الحياة»، على أهمية استخدام هذه الوسيلة وفق ما تسمح به الأخلاق، «لأننا نتفق جميعاً على أن الحياة أكثر أهمية من عدد الإعجابات التي ستحصدها من خلال مشاركة الصور والفيديوات».

وفي تفسيرهم للظاهرة، يرى مختصون في علم الاجتماع أن اللهث وراء تحقيق صدمة إدراكية لدى متلقي الرسالة بنشره صوراً لجرحى وقتلى في حوادث متعددة، يتجاهل حقوق المصاب أو الطرف الآخر على رغم أنه انتهاك لحرمته والاعتداء على كرامته، مؤكدين أن كرامة الإنسان حياً أو ميتاً مصونة في الشرائع الدينية، حيث إنه في الحالات العادية يستأذن لالتقاط صور له. لكن، لماذا يصبح ذلك مباحاً حين يكون ميتاً أو مصاباً أو طريح الفراش لا يقوى على صدّك.

ويعزو نعيم نعاس المختص في علم النفس في جامعة الجلفة أسباب انخراط كثر عن وعي أو من دونه للأخطار، إلى «التقليد والعدوى». ويوضح لـ «الحياة» أن سهولة استخدام التكنولوجيا أتاحت انتقالاً سريعاً للعدوى إلى سلوكات مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي فاقت بأشواط التحولات البطيئة في الحياة الاجتماعية الحقيقية.

ويحذّر نعاس من مسايرة الواقع الاجتماعي بتلقي أضرار مجتمعية سلبية، ناشئة من سوء استخدام التكنولوجيا في الحياة العامة.

من جهة أخرى، يشدد المختص نسيم بلور على ضرورة إدماج السلطات ضوابط دينية للاستخدام الرقمي في البرامج التعليمية، وذلك للإفادة من مساهمات هذه الثورة التكنولوجية وعدم جعل هذه الظاهرة بمثابة مشكلة لمجتمعنا، مضيفاً أن القانون الجزائري في حالات عدم تقديم المساعدة للأشخاص المعرّضين للخطر، يجب أن يطبق على الذين يلتقطون فيديوات للضحايا بدلاً من محاولة إنقاذ شخص ما في أمس الحاجة للمساعدة.

وطالب بلور بتدخّل السلطات المخوّلة مراقبة المحتوى الإلكتروني في البلاد لغربلة كل ما ينشر على الإنترنت من مواد تحمل عنفاً، على غرار ما يتعرّض له المدونون الذين يُزج بهم في السجون لأن محتوى صفحاتهم يُعتبر غير قانوني.

ويذهب قانونيون ومختصون إلى تصنيف ما ينشر من صور أو مقاطع فيديو تمس بسمعة أفراد، من دون إذنهم، في خانة «ارتكاب جرائم إلكترونية».

جريمة إلكترونية

ويُشجع الذين يتعرّضون لأي نوع من أنواع الجرائم الإلكترونية للجوء إلى القضاء وأخذ حقهم بالقانون، كمحاولة لوقف مثل هذه الإساءات التي تتزايد عبر المنصات الاجتماعية.

ويقرن مختصون في مجال التكنولوجيا الحديثة بين تزايد الظاهرة والعدد الكبير لمستخدمي الإنترنت الذي يفوق الـ35 مليون جزائري من أصل 41 مليوناً هم إجمالي السكان، من ضمنهم حوالى 20 مليوناً يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي وفي مقدّمها الـ «فايسبوك»، ما يعني أن تلك المواقع باتت بؤرة خصبة لأنواع التطرّف وتأثيرها في نسيج المجتمع وتركيبته. وفي العام المنصرم، أحصت السلطات 2500 جريمة إلكترونية تتعلّق بالقرصنة والابتزاز والتشهير والتحرّش الإلكتروني والاحتيال.