مواطن سعودي مفقود.. و«رواية اغتيال» منسوجة بـ«أيادٍ» اعتادت على «الحملات الممنهجة»

خاشقجي
جدة - عمر البدوي |

يختفى مواطن سعودي في الأراضي التركية، ولأنه إعلامي مشهور تطير التساؤلات في كل الاتجاهات، ولا يبدو أي أمر واضحاً سوى تصريحات المسؤولين السعوديين الجلية والتي بلغت حد الاستعداد للسماح للسلطات التركية بالبحث في المبنى الخاص للقنصلية السعودية في وقت كان السعوديون الأكثر حرصاً من غيرهم عن البحث عن شجرة الحقيقة.


الخبر بدأ من لدن الخطيبة التركية المفترضة‏ لجمال خاشقجي السيدة خديجة أرزو، وهي شقيقة أحد المستشارين المقربين من الرئيس أردوغان، والتي زعمت أنه دخل إلى القنصلية السعودية في إسطنبول بغرض تنفيذ بعض الإجراءات الرسمية، لكنه لم يخرج منها.

سريعاً نفت القنصلية السعودية في إسطنبول هذا الزعم، وأكدت أن خاشقجي خرج منها بعد استكمال الإجراءات التي نوى القيام بها، ولا وجود له في مبنى القنصلية على الإطلاق، وأنها تشترك مع الجميع في القلق على مصيره، وتعمل على القيام بواجبها تجاه مواطن سعودي مفقود. لكن سيل الأخبار غير المنضبطة لم يتوقف، ولا سيما من أجهزة وشخصيات إعلامية مرتبطة بدولة قطر وجماعة الإخوان المسلمين، إذ حاولوا جاهدين منذ الثلثاء الفائت تصعيد الخبر غير المؤكد ومحاولة استثماره وتوظيفه في سياق مواجهتهم التي يدور رحاها منذ أكثر من عام مع رباعي مقاطعة نظام الدوحة.

وخلال لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع بلومبيرغ، وضع النقاط على الحروف حول ما يشغل بال المواطن السعودي والمتابع الخارجي، تحدث عن قضية المواطن والصحافي السعودي خاشقجي، وأن أجهزة الدولة تتعامل مع الموضوع باهتمام، وبالتعاون مع السلطات في تركيا، وأن لدى القنصلية الاستعداد لاستضافة كل من يرغب في زيارتها والتيقن من عدم وجوده داخل مبنى القنصلية في إسطنبول.

وبالفعل زارت وكالة «رويترز» المبنى والتقت بالقنصل السعودي محمد العتيبي، الذي عزز من رواية السعودية، وأن فريقاً من خبراء التحقيق السعودي سيصل الأراضي التركية لتفحّص قضية اختفاء المواطن عن قرب، وبدا وكأن القضية تأخذ حجمها الطبيعي وتسير في سياق قانوني بيّن.

لكن تسريباً من النوع المريب دفع بالقضية إلى منحى جديد، أشار إلى أن الاستنتاجات التركية الأمنية تشير إلى مقتل جمال خاشقجي داخل السفارة السعودية ونقله إلى خارجها لاحقاً، وأن تركيا تعلن تدريجياً عما لديها، وأن هذا الموضوع يحظى باهتمام الرئيس رجب طيب أردوغان بشكل شخصي.

حملت صيغة التسريب لـ«رويترز» بشأن احتمال مقتل جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية نوعاً من الغرابة بالنظر لحساسية الأمر، ‏إذ كان يتوقع أن تعلن هذه النتائج حتى لو كانت مبدئية في بيان أو مؤتمر صحافي رسمي تركي يكشف أدلة وقرائن قادت لهذا التقييم.

لتبدأ حملة موسعة تبنّت هذا الاستنتاج على رغم هشاشته، وبدأت في سوق تفاصيل أكثر حساسية لم تراع أي مبدأ مهني أو إنساني تتطلبه الحالة، مما زاد من فرضية التوظيف المتعمد والمقصود والذي يخفي خلفه قصة مريبة. وبدأ ضخ المعلومات من مصادر غير واضحة تأخذ صفات أمنية وسياسية، الى درجة عدم القدرة على التفريق بين الصدق والأكذوبة، وهو ما كان يتطلب تمهلا من صحافيين محترفين بدلاً من السير في فلك الأجندات المتعددة المرتبطة بالحادثة أو المستفيدة منها أو المستغلة لها.

وفي كل المرات القليلة التي تحدثت فيها المصادر الرسمية السعودية، كانت قاطعة ومتمهلة وشاجبة لتقرير رويترز الذي نقل عن مصادر تركية قولها إنها تعتقد أن الصحافي السعودي جمال خاشقجي قُتل داخل القنصلية، ووصفتها بالاتهامات العارية من الصحة. لكن شيئاً من تلك الحسابات المتصلة بالنظام القطري ذات المسحة الإخوانية لم تتوان عن بث التفاصيل غير العادية حول قصة مقتله المفترضة وأخبار أكثر عن العثور على الجثة أو التعذيب والتنكيل والتصوير أثناء ذلك، وسواها من التلفيقات التي فتحت لها القنوات القطرية صدرها وساعات بثها بلا توقف لشحن القصة بالأكاذيب الموجهة والرسائل المغرضة. وفي الوقت الذي قال فيه السياسي التركي باسين أقطاي إن خاشقجي قُتل في القنصلية السعودية صرح الرئيس التركي رجب أردوغان أنه لا يزال ينتظر نتائج التحقيق، وقال لصحافيين: «أتابع الموضوع شخصياً، ولا يزال لدينا توقعات إيجابية... ومهما كانت نتائج (التحقيق)، سنعلنها أمام العالم»، وأضاف أردوغان: «لا أزال أنتظر بأمل... أرجو الله ألا نواجه ما لا نرغب بحدوثه».

الأمر الذي اتضح معه أن تركيا الرسمية بخلاف الأجواء الإعلامية ذات النفس القطري تتعامل مع قضية جمال خاشقجي كعملية اختفاء وليس اغتيال.

وخفض تصريح الرئيس التركي رجب أردوغان حول اختفاء جمال خاشقجي من حفلة التغريدات غير المحسوبة، ما دفع الحسابات «المحسوبة» للمعاجلة بحذف التغريدات السابقة وتغيير خط صياغتها بما لا يتعارض مع ما أدلى به أردوغان.

من جهتها، أبدت عائلة جمال خاشقجي في تصريحات صحافية لها استيائها من محاولات استغلال حادثة اختفائه، مؤكدة رفضها ذلك.

وأوضح المستشار القانوني، معتصم خاشقجي، لـ«العربية.نت» أن العائلة تجري تنسيقاً مع الحكومة السعودية، في ما يخص حادثة الاختفاء، وقال: «نحن نثق بالحكومة والإجراءات التي تتخذها، وكل الجهود التي يتم اتخاذها في قضية جمال خاشقجي يتم التنسيق فيها مع الدولة والسفارة في أنقرة».

وأضاف: «بعض الدول لديها أجندة خبيثة، حاولت تمريرها من خلال استغلال موضوع المواطن السعودي جمال خاشقجي، ونحن نعرف أهداف الذباب الإلكتروني والأبواق المسعورة التي تهاجم الوطن لأهداف سيئة، ونقول لهؤلاء اصمتوا خاب مسعاكم وخابت نواياكم»، وأضاف: «هناك جهات وأشخاص تسيِّس هذا الموضوع وتستخدم اسم العائلة والأخ جمال لتمرير أجندتهم المريضة، وهذا الكلام لا يمشي علينا، ولم نكن أو سنكون أداة في يد أحد، ونحن ولاؤنا لحكامنا ودولتنا، والسعوديون جميعاً ولاؤهم لوطنهم».

ونفى معتصم خاشقجي معرفة العائلة بـ«خديجة» التي تدعي أنها خطيبته، وقال: «ليست معروفة للعائلة، وليست خطيبته من الأساس، ولا نعرفها ولا نعرف من أين جاءت ولا تمت للعائلة بصلة، وقد تكون أحاديثها وحضورها لتمرير أجندة خاصة بها».

وكشف معتصم خاشقجي أن «عائلة جمال» قامت باتخاذ إجراءات قانونية بالتنسيق مع الدولة، مشيراً إلى أن الإجراءات تسير في إطار قانوني، محذراً من الاستماع إلى الأبواق والقصص العارية عن الصحة.

واختتم حديثه قائلاً: «نحن أبناء هذا البلد والاهتمام الذي وجدناه كان بمثابة البلسم لنا».

وعزز صلاح جمال خاشقجي الابن الأكبر للصحافي المفقود التأكيد على عدم معرفة العائلة بـ«خديجة» التي تدعي أنها خطيبة جمال خاشقجي، قائلاً: «لا أعرف هذه السيدة ولم أسمع بها من قبل سوى من خلال وسائل الإعلام». ودعا نجل خاشقجي السيدة التركية خديجة بالكف عن تناول قضية والده، قائلاً: «نحن أسرته ونحن أولى بالسؤال والاستفسار عن ملابسات اختفائه وبالبحث عنه».

واستنكر صلاح خاشقجي محاولات جهات خارجية تسييس قضية اختفاء والده، الأمر الذي اعتبره مرفوضاً جملة وتفصيلاً، مشدداً على تعاون العائلة مع الجهات السعودية الرسمية للكشف عن ملابسات الأمر، وأضاف: «الموضوع بجملته هو قضية شخصية وبعيد كل البعد عن الإطار السياسي»، معرباً عن حاجة أسرته «لمعلومات ذات مصداقية».

وعن آخر اتصال له مع والده قال الابن صلاح: «آخر اتصال لي معه كان أثناء وجوده في واشنطن، ولم تكن لدي فكرة عن وجوده في تركيا ورحلته الأخيرة هذه». وشدد صلاح خاشقجي على أن أفراد أسرته كافة تدعم التحقيقات الرسمية السعودية، وهو فقط الذي «سيوصلنا إلى نتائج إيجابية وكشف الحقيقة».