الإدارة الثقافية للهوية... كيف تتجلى في مصر؟

لوحة لأسامة بعلبكي (الحياة)
سيد إسماعيل ضيف الله |

هناك فرق كبير بين مصالح نظام سياسي أو حزب ما وبين مصالح الدولة الوطنية. وعلى رغم أن المنظور البراغماتي للمصالح الحزبية والنظامية يفرض علينا التسليم بضرورة أن يعمل كل حزب حاكم على تحقيق مصالحه بأقصى درجة ممكنة، لا سيما في ظل دول ترتدي الحداثة على مقاسات جسد القبيلة، فإن ثمة ما يقال من منظور براغماتي سياسي أيضاً، ومفاده أن أخطر ما يمكن أن يهدد نظاماً سياسياً هو ألا يدرك أهمية الإدارة الثقافية للهوية؛ فهذا النمط من الإدارة يمكنه أن يحقق مصالح الساسة لآماد أبعد مما يطمحون إليه؛ بل وبدرجة أعلى من الاستقرار نتيجة قدرته على تعزيز انتماء مشترك بين أفراد على حساب انتماءات جماعية متضادة ومتصارعة مهدِّدة فكرة الدولة ذاتها. لقد فاز أبناء النوبة من المصريين بثلاثة مقاعد برلمانية في انتخابات سياسية من المفترض أنها تنتمي إلى طريقة حكم حداثية؛ ليس لأن الدولة الوطنية حفّزتهم لإعلاء هويتهم السياسية كمواطنين أفراد على انتمائهم العرقي، وإنما لأن تجمعهم في داوئر انتخابية متقاربة يمثلون فيها الأغلبية، جعلهم يحصدون المقاعد الثلاثة، بينما توزّع الأقباطُ الأكثر عدداً على دوائر انتخابية كثيرة لا تحفز قبطياً على المنافسة، لا سيما في ظل سياق سياسي تتحكم فيه إلى حد بعيد الأصولية الدينية والانتماءات العشائرية ورؤوس الأموال الضخمة، ومن ثم تحوّل صوت الناخب إلى سلعة والمرشح إلى مشترٍ، ولجان الانتخابات إلى سوق.


والسؤال: هل اختلف مجتمع النخبة الثقافية في طريقته لإدارة الهوية عن طريقة إدارة النظام السياسي الحاكم للهوية في المجتمع المصري؟ هل كانت النخبة الثقافية المصرية واعية بأن طريقة إدارتها الهوية تتناقض جذرياً مع مهمة تحديث المجتمع وصون هوية الدولة المصرية بوصفها دولة مدنية حديثة؟ إن النظر إلى «مؤتمر أدباء مصر» بوصفه طقساً ثقافياً وتحليله كظاهرة ثقافية مستمرة في سياقات سياسية مختلفة، يجعلنا نرى فيه نجاحاً غير مسبوق على قدرة الإدارة الثقافية في مصر على إعادة إنتاج فكرة «الاتحاد الاشتراكي» في المجال الثقافي، لكن من دون عبدالناصر نفسه! فالاحتفال كرنفالي بامتياز؛ يبدأ الإعداد له بتطبيق مبدأ شديد الليبرالية وهو حرية تأسيس نادي أدب في أي مكان بمجرد تقديم أحد عشر شخصاً طلباً إلى رئيس الفرع الثقافي التابعين له، ولا يشترط في أي منهم سوى أن يكون أصدر كتاباً واحداً أو نشر مجموعة مقالات ليحوز من الدولة اعترافاً بأنه من النخبة التي ينبغي عليها «تثقيف الجمهور ثقافةً أدبية رفيعة». ثم وبالاتفاق الضمني على تطبيق مبدأ الانتخاب الليبرالي بين هذه المجموعة بطريقة مصرية خالصة للحصول على ما يعتبرونه مكافأة الاشتراك المؤتمر الذي يعقد كل عام في إحدى المحافظات، ما يعد فرصة بالنسبة إلى غالبيتهم للاستفادة من الكرنفال بحسب تصوره الشخصي للاستفادة. وبهذه الآلية؛ «الانتخاب بالتناوب»، واستناداً إلى توازنات التكوينات الجهوية؛ يمكن صاحب هذا الكتاب اليتيم أن يصبح رئيس أمانة «مؤتمر أدباء مصر»، بعد أن كان نسياً منسياً!

التنظيم فكرته مُحكمة، ونتائجه في تفريغ الثقافة من معناها مُبهرة، وقدرتُه على منح أشخاص سلطة التمثيل الثقافي للمثقفين المصريين استناداً إلى التوزيع المناطقي والعشائري مرعبة! لكن ثمة فارقاً جوهرياً بين الإدارة السياسية في الاستفادة من الوضع الجهوي والقبلي لتحقيق تمثيل سياسي زائف، وبين ما ينبغي أن تكون عليه الإدارة الثقافية للمجتمعات من أجل هوية جامعة على أساسها يتم الاتفاق بين المواطنين على هوية الدولة الثقافية، ألا وهو هوية الفرد بوصفه فرداً لا بوصفه منتمياً إلى الوجه البحري أو الوجه القبلي كما تشترط لائحة مؤتمرات وزارة الثقافة. إن لائحة المؤتمرات وتأسيس نوادي الأدب الصادرتين في العام 2012 انبنتا على ثنائية (مركز/ أقاليم)؛ لترسيخ وعي بعض المواطنين بأن الحصول على اعتراف الدولة بهم كنخبة ثقافية أو الحصول على مزية المشاركة في الكرنفال السنوي للأدباء لا يكون سوى عبر ترسيخ فكرة أنهم ممثلون ثقافيون لذلك الحي في الشمال أو تلك القرية في الجنوب! إن أي تنظيم حتى لو كان شديد الإحكام لا يصلح أن يكون هو الهدف في ذاته، إلا إذا كان استمراره من باب العادة! أو من باب التكاسل عن البحث عن أفكار تنظيمية مناسبة للحاضر! فما الهدف من استمرار هذا التنظيم للمجتمع المصري على أسس المحاصصة المناطقية في المجال الثقافي للوصول إلى تمثيل ثقافي زائف للمجتمع؟!

إن عبدالناصر استقى فكرة هذا التنظيم من شُعب «الإخوان المسلمين» في القرى والنجوع، ولم يكن الاتفاق بينهما في تبني هذا التنظيم للمجتمع المصري فقط، وإنما اتفقا في قدرة كل منهما على محو الانتماء إلى القبيلة أو المحافظة التي جاء الأعضاء ممثلين لها وناشطين فيها لمصلحة الولاء التام للأيديولوجية السياسية التي يريدها العقل المدبر في الجانبين؛ لتكون هوية ســـياسية للأعضاء. فما الهدف من تبني وزارة الثقافة المصرية التنظيم نفسه؟ وأي هوية تريدها للمجتمع المصري وتريد ترسيخها في هذا الكرنفال؟ أم إن استمرار التنظيم بحكم العادة هدفه ترسيخ القبلية والعشائرية كحليف استراتيجي متاح باستمرار حتى في المجال الثقافي؟ أزعم أن جلَّ لوائح عمل وزارة الثقافة المصرية؛ القديم منها والحديث؛ يعتمد ثنائية (المركز/ الأطراف)، والتي تترسخ من خلالها الهويات المضادة لفكرة الدولة الوطنية ذات الهوية السياسية الواحدة. وأزعم أنه وفقاً لهذه البنية القانونية للعمل الثقافي في مصر تتكرر مفارقة تمثيل النوبة بثلاثة نواب؛ على قلة عددهم، وتمثيل الأقباط بنائب واحد؛ على كثرة عددهم، بسبب اختلاف منطق بناء الهوية بين الجانبين وبسبب التكييف المصري لآلية الانتخاب الليبرالية! إن فلسفة هذه اللوائح هي عدم التفرقة بين التمثيل السياسي والتمثيل الثقافي، ومن ثم بين الهوية الســـياسية والهوية الثقافية. فالهوية السياسية من المفترض أنها فردية تُبنى بالاتفاق بين الأفراد على مبادئ ويتفق عليها أفراد لتكون هي القاسم المــشترك بينهم، وهو ما يجب أن يحترموه احتراماً يفوق قناعاتهم الجمعية وولاءاتهم العرقية، لأن هذه المبادئ المشتركة هي هوية الدولة التي لا يمكن أن يكون هناك وجود مستقر لكيان سياسي مِن دونها، بل ومن دون قناعة الأفراد - وإلزامهم عند الحاجة - بإعلائها وتقديمها في الولاء والانتماء على الولاء العرقي والطائفي!