تخضير» المصارف العربية

نجيب صعب |

أن تعقد المصارف العربية اجتماعاً إقليمياً لبحث «تخضير» القطاع المصرفي كي يلعب دوراً ريادياً في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، فهذا في ذاته تطوّر كبير. أما أن يلتزم المجتمعون بالتحوّل إلى الصيرفة الخضراء عملياً، وفق خطة محددة للتنفيذ، فهذا إنجاز غير مسبوق يؤشّر إلى اتجاه جديد لم نعهده قبلاً. ببساطة، القطاع المصرفي العربي يدرك اليوم أنه لا يمكن مواكبة المتغيّرات الجذرية في مفهوم التنمية حول العالم إلا باعتماد أساليب جديدة.


«الصيرفة الخضراء: الطريق إلى التنمية المستدامة» كان موضوع المنتدى الذي نظمه اتحاد المصارف العربية في مدينة الغردقة المصرية، بمشاركة قادة من القطاع المصرفي العربي وبنوك مركزية وهيئات حكومية معنية بالتنمية. أوصى المجتمعون المصارفَ العربية بالتحوّل إلى الصيرفة الخضراء، وتبنّي آلية لتطوير وطرح المنتجات الخضراء، كجزء أساسي من خدمات المصارف، مع التركيز على المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ودعم الاستثمارات في التكنولوجيات الصديقة للبيئة، بخاصة في مجال الطاقة المتجددة. ولضمان حسن المتابعة والتنفيذ، دعا الاتحاد إلى إنشاء إدارة مستقلة للتنمية المستدامة في كل مصرف، ووضْع خطة تدريبية لنشر الوعي والمعرفة بالتدابير والممارسات المصرفية المتوازنة بيئياً، وتشكيل لجنة رفيعة المستوى لمتابعة التقدم المحرز في التحوّل إلى الصيرفة الخضراء وتحقيق أهداف التنمية المستدامة. ولأن إدخال تمويل مشاريع التنمية المستدامة على نحو فعّال في أعمال القطاع المصرفي يتطلب أنظمة تنطبق على الجميع، دعا المجتمعون البنوك المركزية إلى وضع تعليمات رقابية تلزم المصارف بمراعاة أهداف التنمية المستدامة، وتساعدها في عملية التحوّل، باعتماد أفضل الممارسات والمعايير الدولية.

التقرير الذي يصدره المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) الشهر المقبل، عن تمويل التنمية المستدامة في البلدان العربية، يؤكد أن التحوّل نحو التمويل الأخضر لم يعد خياراً للقطاع المصرفي، بل هو الحلّ الوحيد لضمان الاستمرار في عالم متغيّر. وإذا كان هذا التحوّل يفرض قيوداً وينطوي على أخطار، لكنه يفتح أيضاً فرصاً جديدة.

لا شك في أن الإجراءات الفعالة لتخفيض انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون المسببة للاحتباس الحراري ضرورية، لكن آثارها على الاقتصاد كبيرة. فالتحوّل نحو مصادر بديلة للطاقة غير الوقود الأحفوري في المستقبل سيشكل نهاية لبعض أنواع الاستثمارات ويؤثر على تقييم العديد من الأصول. ولما كانت قطاعات اقتصادية ضخمة تعتمد على الوقود الأحفوري، فالمضاعفات من التحوّل كبيرة، خصوصاً على الاقتصادات التي تعتمد بشكل أساسي على تصدير هذا النوع من الوقود، كما في الدول العربية النفطية. وفي حين يشكل التحوُّل إلى أنواع بديلة من الطاقة خطراً على الاستقرار المالي، فأخطار الامتناع عن التحوّل الاقتصادي لمواكبة المتغيرات تبقى أكبر كثيراً. ومن البوادر الإيجابية أن برامج طموحة لتنويع الاقتصاد بدأت في الدول العربية المصدّرة للبترول، تواكبها استثمارات كبيرة في الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة، كما يحصل في السعودية والإمارات. وقد وقّعت السعودية أخيراً مذكرة تفاهم مع صندوق استثماري عالمي خاص لبناء محطات لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية بقيمة 200 بليون دولار.

وفي حين يغطي القطاع المصرفي جزءاً من تمويل مشاريع التنمية، فإن نسبة صغيرة جداً يمكن تصنيفها على أنها «تمويل أخضر». ويرى الاتحاد المصرفي الأوروبي أن عدم الوضوح في تحديد عناصر «التمويل الأخضر»، مثل «القروض الخضراء» و»الأصول الخضراء»، يشكل عائقاً أمام تصنيف هذه العناصر، وبالتالي تطوير فرص إضافية للتمويل الأخضر. هناك حاجة، إذاً، إلى وضع حدّ أدنى من القواعد للإفصاح عن مكوّنات التمويل الأخضر، بما يوفِّر الموارد المالية للمشاريع الخضراء، مع تحليل أوضاع السوق والمخاطر، وتطوير منتجات مالية جديدة يمكن تقديمها على أسس قابلة للمقارنة مع منتجات أخرى. وفيما يتعين على المصارف التخفيف من الأثر المباشر على البيئة الناتج من النشاطات والاستثمارات التي تقوم بها، فإن مساهمة المصارف الرئيسية في دعم التنمية المستدامة تكمن في توفير الحلول التمويلية للمشاريع والشركات الصديقة للبيئة.

على الهيئات التنظيمية والرقابية العمل مع المصارف لاعتماد أفضل الممارسات في إدارة المسائل المرتبطة بالبيئة. فما يزال تأمين تمويل طويل الأجل لمشاريع ذات طابع بيئي مقيّداً بشروط معقّدة، وتحدّيات مضاعفة لتقييم المخاطر لفترة طويلة، أو فرض تقديم ضمانات مالية أعلى، ما يجعل المشاريع أقل جدوى من الناحية الاقتصادية والمالية. ويمكن معالجة بعض هذه العوائق من خلال تدابير تنظيمية وسياسات موجّهة نحو إعطاء تسهيلات وحوافز للتمويل الطويل الأجل للمشاريع التي ينطبق عليها تصنيف التنمية المستدامة.

إن وضوح واستقرار الإطار التنظيمي والرقابي والسياسات المالية العامة عوامل ضرورية لتشجيع المصارف على اعتماد خطط بعيدة المدى وقواعد مستقرة لصنع القرار في ما يخص التمويل الأخضر. وهذا يستدعي أن تشارك المؤسسات العامة، المحلية والدولية، في تحمل أخطار بعض أنواع التمويل مع المصارف التجارية ومصادر التمويل من القطاع الخاص. المؤتمر الإقليمي، الذي يعقده المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) في 8 و9 تشرين الثاني (نوفمبر) حول تمويل التنمية المستدامة، سيكون فرصة لوضع خطة طريق يشارك فيها المسؤولون عن السياسات والتخطيط والتمويل.

من اللافت أن معظم الشركات العربية، ومنها المصارف، ما برحت تجمع البيئة والتنمية المستدامة والمسؤولية الاجتماعية في إدارة واحدة مع التسويق. أحد المصارف العربية الكبرى أطلق برنامجاً لاعتماد الطاقة الشمسية في فروعه، وتركيب أجهزة موفرة للمياه، والمشاركة في استخدام السيارات بين الموظفين، وأرفقها بحملة دعائية كبيرة لتأكيد التزامه بالمعايير البيئية. هذه مبادرات رائعة تستحق الثناء. لكن برامج تمويل مشاريع الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة والمياه، والقروض الميسَّرة للسيارات الكهربائية أو القليلة الانبعاثات، تكاد تغيب عن المنتجات المالية التي يقدمها هذا المصرف. الانتقال الحقيقي للقطاع المصرفي العربي إلى عصر تمويل التنمية المستدامة يتطلب تغييراً في المسار، والتوقف عن ترويج شعارات البيئة والتنمية في إطار التسويق والعلاقات العامة.

يُمكن الاطلاع على مزيد من المعلومات حول مؤتمر المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) في 8-9 تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل عبر الرابط www.afedonline.org

الأكثر قراءة في الرأي