مهرجان مالمو: المحكّمون استبعدوا مصر والجمهور اختارها لجائزته

محمد قبلاوي (الحياة)
مالمو (السويد) -إبراهيم العريس |

.... وفي العام الثامن بات في إمكان محمد قبلاوي، مؤسس مهرجان مالمو للسينما العربية في تلك المدينة الهادئة الواقعة جنوب السويد على مرمى حجر، بحري، من العاصمة الدنماركية، أن يشعر أنه كسب رهانه: أقام واحداً من أفضل مهرجانات السينما العربية خارج العالم العربي، وعلى الأقل من ناحية تحقيق الهدف المتوخى عادة من إقامة هذا النوع من المهرجانات، وهو هدف مزدوج عادة: من ناحية إطلاع جزء معين من الجمهور الغربي على ما يحدث في السينمات وبالتالي في المجتمعات العربية صانعة تلك السينمات، ومن ناحية ثانية جمع أبناء الجاليات العربية في مدن ذلك العالم الخارجي من حول أفلام بلادهم، وربما في لقاءات عربية/عربية باتت نادرة في هذه الأيام. فالسينما، في نهاية الأمر تكاد تكون اليوم، التظاهرة الوحيدة التي تجمع عرباً من شتى البلدان العربية في تلك الصالات العتمة ليروا من حول أفلام متعددة المشارب والجنسيات، أحوالاً في ديارهم تمر على أي حال في مرشحات صانعيها.


ذلك الرهان

وإذا كنا نجد أنفسنا مكررين مثل هذه «البديهيات» بصدد حديثنا عن الدورة الثامنة لمهرجان مالمو، والتي ختمت فعالياتها قبل أيام قليلة موزعة جوائزها بما يشبه العدل والقسطاس بين سينمائيين وأفلام أتوا وأتت من عدد لا بأس به من البلدان العربية، فما هذا إلا لأن الرهان الذي نتحدث عنه باعتبار أن محمد قبلاوي السينمائي الفلسطيني المقيم في السويد، وفي مالمو بالذات، قد حققه فيما عجز عنه معظم القائمين على مهرجانات مشابهة في مدن غربية أخرى، كمن في هذا المجال المزدوج بالذات. ولنقل باختصار هنا: إذا كانت هناك مهرجانات تقام من أجل الجوائز وأخرى من أجل النجوم وثالثة من أجل النقاد ورابعة من أجل السياحة وخامسة من أجل الإيديولوجيا... فإن ما يمكن ملاحظته، ومن جديد في مالمو، هو أن مهرجانها يقام أساساً من أجل الجمهور، العربي والمحلي، الجمهور الذي - وتلكم ظاهرة لا بد من تسجيلها - لا يكتفي هنا بمشاهدة الأفلام، بغثّها وسمينها، بل يبقى طويلاً بعد العروض لمناقشة تلك الأفلام مع أصحابها غالباً، أو مع من يمثلهم إن تعذّر حضورهم. ففي الحقيقة تمكن مالمو من أن يستقطب تلك النقاشات في شكل ندر وجوده في أي مهرجان عربي... ولعل الملاحظة الأخرى التي تلفت النظر هنا هي أن معظم التعليقات والأسئلة تأتي من جمهور شاب وهاو سويدي يتدافع لمشاهدة الأفلام العربية إلى درجة يملأ معها مقاعد الصالات العارضة للأفلام، على آخرها... وليس من النادر أن يستمر النقاش زمناً يتجاوز مدة عرض الفيلم نفسه في شكل قد يفاجئ أصحاب الأفلام نفسها وبخاصة حين يتعمق النقاش ويتحول إلى سجالات تطاول غايات فن السينما وأحوال المجتمعات التي تأتي منها تلك الأفلام.

إذاً، هذا رهان أول وفائق الأهمية كسبه مهرجان مالمو على عكس معظم المهرجانات الغربية العارضة للأفلام العربية.

حضور شاب

أما الرهان الثاني فيتعلق بحقيقة باتت سائدة في المهرجان نفسه خلال السنوات الأخيرة وهي أن ما نحن في صدده هنا هو مهرجان شبابي سيكون من المسلي والمفيد حسبان معدل أعمار السينمائيين المشاركين فيه من جهة، والجمهور في الصالات من جهة أخرى. فمالمو لا يبدو كبير الاهتمام بأن يدعو المخضرمين من السينمائيين والنقاد والصحافيين للمشاركة بأفلامهم وآرائهم أو حتى بتغطياتهم الإعلامية... ناهيك بما يتحلق حول ذلك من دعم للمشاريع وندوات ضمن إطار البرنامج الثقافي الطموح الذي يحمله عنوان «نقاد بلا حدود»... إنه يبدو مهتماً أكثر بالعنصر الشبابي ما يخلق اندفاعات سينمائية لدى سينمائيي المستقبل الذين يجدون هنا الفرصة سانحة للتلاقي والتعارف وتبادل الخبرات. ولا سيما بالنسبة الى شبان منهم يبدون مقتلعين من جذورهم مقيمين في بلدان اللجوء والمنافي كفلسطينية آتية من دبي، أو عراقية من يرلندا، أو سوري من هولندا أو مصري من الولايات المتحدة... ويمكن مواصلة هذه اللائحة طويلاً. هؤلاء جميعاً يجمعهم مالمو من حول ذلك الفن الذي يحبونه ويريدون أن يجعلوا منه طريقاً لمستقبلهم... كما وسيلة للتعبير عن نظرتهم إلى مجتمعاتهم ( ولكن كذلك الى مجتمعات غير تلك التي تشكل بيئتهم، كما تفعل اللبنانية ريم صالح حين تصور فيلماً بديعاً عن منطقة روض الفرج القاهرية، على سبيل المثال)، نظرة باتوا يعرفون سلفاً، ليس فقط أن لقاء مالمو يشكل منبراً حقيقياً لها، بل منطلقاً للنقاش الجاد والمتعدد الأصوات من حولها... وهذا أيضاً رهان حققه مالمو بتواضع وبتراكم مدهش عاماً بعد عام.

إزاء هذه الرهانات يمكننا أن نطرح هنا سؤالاً بسيطاً، وبالتحديد من حول الجوائز التي وزعت في الحفل الختامي للدورة الثامنة للمهرجان: هل تهم تلك الجوائز حقاً؟ من المؤكد أن جوابنا الوحيد هنا هو أن ليس في تلك الجوائز ما من شأنه أن يغري لا الفائزين بها، وهم قلة قياساً إلى عدد الذين يُفترض بهم التطلع إليها ولا المتابعين لما يحدث. أولاً لأننا - وهذا اختيار منطقي آخر لمالمو - نعرف أن معظم الأفلام المتبارية سبق أن تبارت في مهرجانات أخرى وفاز منها من فاز وغضب من غضب، فلا جديد هنا يمكن توقّعه بالتأكيد؛ وثانياً لأننا لسنا في صدد لجان تحكيم حقيقية. كل ما في الأمر أن إدارة مالمو تختار لكل فئة فيلمية (روائي طويل أو قصير، وثائقي طويل أو قصير...إلخ) ثلاثة سينمائيين آتين من بلدان متنوعة ليدلوا باختياراتهم من دون تراتبية رئاسية، وهو أمر من الصعب أن يسفر عن اختيارات حقيقية؛ ثم أخيراً هناك قيمة الجوائز نفسها فهي من الندرة بحيث لا تشكل هدفاً لأحد - بضع مئات من الدولارات للجائزة الواحدة - فهل سيدهشنا بعد هذا أن نجد أن الجائزة الأهم في مالمو هي، في نهاية الأمر، جائزة الجمهور، على قلة مردودها المالي هي الأخرى؟ بالتأكيد لن يدهشنا هذا إن تذكرنا ما قلناه أول هذا الكلام عن جمهور مالمو وهواه السينمائي وتوزعه الحقيقي بين عرب مقيمين وهواة من أهل البلاد الأصليين.

اللعبة و «جوائزها»

ومع هذا، كان لا بد للعبة أن تُلعب، كالعادة، في نهاية الأمر، فاجتمعت اللجان وتناقشت، وأحياناً في صخب - قال لنا البعض إن أطره كانت قطرية لا فنية على أي حال -، لتطلع بنتائج يمكن الافتراض بأنها بدت أقل ما في المهرجان أهمية. وهي أتت على الشكل التالي:

> جائزة أفضل فيلم روائي طويل نالها «واجب» للفلسطينية آن - ماري جاسر، وهو فيلم يأتي الآن ليضيف هذا الفوز إلى سلسلة نجاحات حققها على مدى الشهور السابقة، لتجعل من صاحبته واحدة من أشهر السينمائيات الفلسطينيات في الآونة الأخيرة.

> جائزة أفضل ممثل للتونسي علي اليحياوي عن فيلم «بنزين» من إخراج سارة عابدي، وهو الفيلم الذي كان المنافس الرئيس لفيلم جاسر على الجائزة الكبرى، لكنه خسر بالنقاط، وربما عبر رغبة خفية في أن تعطى الجائزة الكبرى لفيلم فلسطيني!

> جائزة أفضل ممثلة للعراقية زهراء غندور عن دورها في فيلم «الرحلة» لمحمد الدراجي.

> أما جائزة لجنة التحكيم الخاصة في هذه الفئة، فذهبت إلى الفيلم المغربي «وليلي» لفوزي بن سعيدي.

وفي مجال الفيلم الروائي القصير أتت النتائج على الشكل التالي:

> أفضل فيلم للبناني فادي باقي عن «آخر أيام العيد».

> جائزة لجنة التحكيم الخاصة للفيلم التونسي «بلاك مامبا» لآمال قلاني.

> تنويه خاص للفيلم المغربي «آخر أيام السفاح» لوليد أيوب.

أما في مجال السينما الوثاقية فذهبت جائزة أفضل وثائقي طويل إلى تونس أيضاً عن فيلم «في الظل» لندى مازني حفيظي بينما نال الفيلم العراقي «ساحة الفردوس» لعادل خالد جائزة أفضل فيلم وثائقي قصير. ونال فيلم «مسافر حلب/إسطنبول» جائزة أفضل إنتاج فني وهو من إخراج التركية آنداش هازندرأوغلو وتمثيل الأردنية صبا مبارك. كما قدمت صحيفة «النهار» الكويتية جائزة باسم «النقاد العرب» (!) لفيلم «واجب».

... وجائزة جمهور حقيقية

وهنا في مجال الجوائز يبقى أن نذكر، طالما أننا افتتحنا كلامنا بالحديث عن أهمية الجمهور في هذا المهرجان البسيط واللطيف، أن هذا الجمهور الذي يبدو لنا في نهاية الأمر أن رأيه كان ذا وزن حقيقي في إنجاح المهرجان سنة بعد سنة، أعطى جائزته التي يمكن اعتبارها في هذا الإطار «أكبر جوائز المهرجان»، إلى الفيلم المصري «فوتو كوبي» للمخرج تامر عشري، مصراً في نهاية المطاف على ألا تخرج مصر من مولد مالمو بلا حمّص، هي التي كانت هذا العام ضيف شرف المهرجان

وبالتالي كان عدد الضيوف المصريين من سينمائيين وصحافيين وبعض النقاد هو الأكبر؛ كما كان عدد الأفلام المصرية المشاركة كبيراً في الفئات كافة؛ بل إن الافتتاح والختام كانا مصريين - بـ «طلق صناعي» للافتتاح و «عيار ناري» للختام -. كل هذه المشاركة وكل هذا الحضور الطاغي لم يشفعا للسينما المصرية لدى «لجان التحكيم» فخلت اختيارتها من أي ذكر لمصر، فإذا بالجمهور العربي والسويدي يعوّض على ذلك بإعطاء جائزته لفيلم تامر العشري الذي كان قد سبق له أن فاز بالعديد من الجوائز منذ عرضه الأول قبل عام في الدورة الأولى لمهرجان الجونة السينمائي في مصر.

مهما يكن، ومن دون إتباع صديق لنا من مصر في الحديث عن «مؤامرة» تستهدف السينما المصرية، يمكننا أن نقول إن ذلك الغياب المصري كان لافتاً. كما كان لافتاً، إنما بصورة إيجابية هذه المرة، أن عدداً لا بأس به من الجوائز ذهب إلى أفلام من صنع نساء ولا سيما نساء تونسيات، تماماً كما أن الحضور الأنثوي في أروقة المهرجان وعروضه كان طاغياً، وتلكم ميزة أخرى تُحسب لمحمد قبلاوي وفريق عمله، الصغير إنما الفعال، الذي تمكن في نهاية الأمر من إنجاح هذه الدورة تنظيماً واختيارات وحضوراً ثقافياً هو الذي عرف في طريقه كيف يجتذب جمهوراً محلياً حقيقياً محباً للسينما يقدم درساً في التفاعل معها ومع أفلامها.