«أطفال الموت» في دار «جبهة النصرة»

من أجواء الفيلم (الحياة)
الجونة - فيكي حبيب |

ينخرط السينمائي الشاب طلال ديركي، في فيلمه «عن الآباء والأبناء» في صفوف جبهة «النصرة»، ليقدم على الشاشة الكبيرة وثيقة بصرية مهمة عن التركة الثقيلة التي يورثها المتشددون لأبنائهم على طرقات الموت.


يخفي المخرج السوري المقيم في برلين نواياه الحقيقية، ويعلن إيمانه بالجهاد، ليخترق يوميات عائلة متشددة تقطن شمال سورية، مسلطاً الضوء على صناعة الإرهاب من خلال قنابل بشرية موقوتة تتشرب منذ نعومة أظافرها العنف كثقافة في بيئة قاسية لا تعرف للتطرف حدوداً.

لا تخفق كاميرا ديركي في خيارها، ولا تهتز صورتها... بل تصّوب عدستها جيداً لتلتقط بنباهة وجوهاً تفصح عن كثير من كوابيس الحرب.

كوابيس تؤرق من يشاهدها بصور أطفال لا يتوانى آباؤهم عن تقديمهم قرابين على مذابح الأيديولوجيا، ولا يفلت المخرج من إرهاصاتها، اذ يجد نفسه مطارداً، محاصراً، لا سبيل أمامه للنجاة من مخالبها سوى الالتحاق في صفوف الجماعات المــتطرفة ليقدم شهادة من الداخل عن الآثام التي تُرتكب باسم الدين عن غير وجه حق... أو هذا على الأقل ما يخبرنا به لسان الراوي (بصوت ديركي) في افتتاح الفيلم.

«علمني أبي في صغري أن أكتب كوابيسي كي لا تعود مجدداً. هربت كغيري من الظلم والموت الى شمال الأرض. وفيما بدأنا ببناء وطن جديد في المنفى، كانت السلفية الجهادية تعيش عصرها الذهبي خلفنا. الحرب زرعت بذور الكراهية بين الجار وجاره والأخ وأخيه، والسلفية حصدت خلف الجميع. ودّعت زوجتي وابني وأخفيت عنهما خوفي الشديد ومضيت الى أرض الرجال التواقين الى الحرب، شمال سورية، مقاطعة إدلب، المنطقة الخاضعة لسلطة القاعدة، تنظيم «النصرة». قدمت نفسي بصفتي مصوراً حربياً وادعيت حبي للجهاد والجهاديين حتى لا أكون عرضة للخطف والتصفية. وعلا الصوت: دعوة جهاد... جهاد... خلافة... دعوة».

تعاطف مع «النصرة»

مغامرة ستمتد لـ330 يوم تصوير منقسمة على 6 رحلات قام بها المخرج خلال سنتين تقريباً، وعايش فيها عن قرب سلفيين منحوه ثقتهم، ظناً منهم أنه يحقق فيلماً دعائياً لجبهة «النصرة» والفكر السلفي. ولعل هذا ما يفسّر الانسجام الكبير الذي تبدو فيه الشخصيات الرئيسة أمام الكاميرا، بخاصة «أبو أسامة» الذي يدور الشريط من حوله وحول عائلته التي تغيب عنها الشخصيات النسائية كلياً، باستثناء لقطة واحدة في لحظة درامية حاسمة حين تبتر رجل «أبو أسامة» نتيجة لغم أرضي، فنستمع فيها الى عويل «أم أسامة» من دون أن نرى لها وجهاً، قبل أن يلجمها زوجها، طالما أنه من غير المسموح أن «تكشف» صوتها أمام الغرباء بوصفه عورة!

انسجام سيوفّر على المخرج عناء استخراج الكلام من «أبو أسامة» الذي نراه يتحدث بأريحية تامة أمام كاميرا ترصده بحب، ما يجعل بعض من يشاهد الفيلم يخرج بانطباع بأن هذا الشريط الوثائقي الذي جال على مهرجانات سينمائية كثيرة، ونال عشرات الجوائز، كان آخرها في مهرجان الجونة السينمائي (جائزة أفضل فيلم وثائقي عربي طويل، ونجمة الجونة الفضية لأفضل وثائقي) يخدم المتشدد أكثر مما يسيء له. وهنا يبرز سؤال حول «أنسنة» المجرم على الشاشة. والى أي مدى تخفق السينما في لعبة السياسة حين تتمادى في إظهار الجانب «الإنساني» عند الإرهابي، بحيث لا تكتفي بشيطنته، ليبدو كأن هناك تعاطفاً ما معه. أما طلال ديركي فلا يسمي الأمر تعاطفاً بمقدار ما يعتبر أن ما وصل إلينا كمشاهدين على الشاشة ليس إلا نتيجة حتمية لما بناه من علاقات خلال الفترة التي أمضاها في إدلب في محاولة لكسب ثقة شخصياته خوفاً من افتضاح أمره.

وهنا يطلّ مشهد بالغ الدلالة. «أبو أسامة» حاملاً بندقيته داخل متراسه في انتظار أن تقع فريسة جديدة بين يديه. يتذكر اعتقاله في سجون النظام قبل سنوات الثورة. يخبر عن انتقاله من إدلب الى الشام معصوب العينين، ومع هذا حين صار على مسافة قريبة من منزله اشتم رائحة ابنه أسامة، وتساءل: «معقول أرجع أضمك الى صدري يا أسامة؟». هنا يتدخل المخرج ويسأل: كيف شممت رائحة أسامة، فيجيب: «أوووو... هذه رائحة تخرج من القلب... هذه عاطفة صادقة». يقول هذه الكلمات الرقيقة بكل ما تحمله من مشاعر صادقة ثم يصوّب سلاحه، مطلقاً عياراً نارياً باتجاه أحد المارة، فيوقعه عن دراجته النارية من دون أن يرفّ له جفن.

مشهد يختصر (ربما) الصورة التي أراد المخرج أن يرسمها لـ»أبو أسامة»/ المتطرف، لأيّ متطرف. فهو ليس كائناً فضائياً كما يحلو للبعض تصوير الإرهابي ولا هو اسم بلا وجه، بل هو هنا إنسان من لحم ودم، نستمع الى طُرُفه وتعلو ضحكاته في الدار وهو يداعب أطفاله.

أب حنون؟ نعم. ومع هذا لا مشكلة بتاتاً لديه في أن يسوق أطفاله الى ساحات القتال دفاعاً عن معتقداته التي تنعكس على أسماء صغاره: أسامة (بن لادن)، أيمن (الظواهري)، ومحمد عطا (منفذ أحد «هجمات 11 سبتمبر» 2001).

رواية النظام

وفي مقابل الانطباع الذي يخرج به البعض حول أن الفيلم يتعاطف مع المتشددين، يبرز انطباع آخر، نقيض الأول، حول تبني هذا الوثائقي رواية النظام، بحصره الصراع بين طرفين فحسب («النصرة» والنظام)، وإغفاله العناصر الأخرى. ويدلل أصحاب هذا الانطباع على فكرتهم بمشهد مؤثر جداً لجنود من النظام بعد وقوعهم رهائن في يد «النصرة» وهم يجثون على ركبهم وأيديهم متشابكة فوق رؤوسهم، وإذ تقترب الكاميرا من أحدهم، يسأله «أبو أسامة»: «انت، لماذا دخلت الى الجيش؟»، فيجيب الشاب: «من أجل الراتب»، فيرد «أبو أسامة»: «من أجل الراتب تقتل نساء وأطفالاً»... يصمت الجندي فيما تلتقط الكاميرا دمعة على وجهه، تقول الكثير مما لم يتمكن من الإفصاح به.

ويقيناً أن هذا الانقسام الذي يولّده الفيلم بين المتفرجين يدحض ما ينسب إليه هنا. فلا هو فيلم يتعاطف مع «النصرة»، ولا هو فيلم يتبنى رواية النظام. بل يمكن اعتباره محاولة لتتبع جيلين في زمن الحرب، جيل الآباء الحالمين بالخلافة الإسلامية وجيل الأبناء الذين سيرثون هذا الحلم.

أبناء ستتبدل ألعابهم بسرعة قياسية بين اللقطة الأولى من الفصل الأول من الفيلم والفصل الأخير. في المحطة الأولى صبية يلهون بلعبة كرة القدم، وفي المحطة الأخيرة صبية يتدربون على حمل السلاح والفنون القتالية.

ولعل المفارقة الكبرى، جاءت في تحوّل شخصية أسامة الذي بعدما صورته الكاميرا في بداية الفيلم فتى هزيلاً غير مبالٍ بالصلاة وغير قادر على مجاراة أقرانه في ألعابهم، لم يجد أمامه خياراً إلا الجهاد، ليتفوق على نفسه في ساحات المعارك، وينساق الى طريق الموت. فيما سيدخل شقيقه أيمن مدرسة قد تكون في تعاليمها مخالفة للفكر الجهادي.

«لسه الحرب مطولة». يردد طلال ديركي في ختام فيلمه. ويضيف: «لطالما سمعت هذه العبارة مراراً وتكراراً من أفواه الجهاديين. تطول بنظرهم حتى يأخذ الفكر الجهادي طريقه الى غالبية الموجودين في مناطق الحرب. سنوات مضت وها هي الطرقات تفرقنا الآن. أيمن بات اليوم فتىً يافعاً. وما زال يكمل تعليمه ويعتني بأخوته الصغار. وأسامة اقتيد الى طرقات الموت. لا طريق يجمعنا بعد اليوم. ابتسامته العفوية وروح التمرد داخله أصبحا من الماضي. وأنا بدوري أقلب صفحة قديمة وأنهي هذا الكابوس. أعود الى بيتي وأسرتي في برلين بذاكرة عن وطن تغيرت معالمه بطريقة مرعبة. وطن لا يشبه أبداً ذاك الذي أعرفه».