جيبوتي... علاقات سياسية متوازنة يحتّمها تنوع المصالح

ضياء الدين سعيد بامخرمة |

العلاقات الجيبوتية المتوازنة مع مختلف القوى الدولية والإقليمية أمر اضطلع -ولا يزال- بدور بارز على مر العصور في حماية الأمن الدولي في منطقة البحر الأحمر ومضيق باب المندب شديد الأهمية، وهو أيضًا موضوع يثير اهتمام العديد من وسائل الإعلام والكتّاب في العالم؛ فجيبوتي من خلال سياستها الحكيمة ووقارها الديبلوماسي المعهود تتمتع بعلاقات متينة مع القوى الدولية الكبرى مثل: فرنسا والولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، والقوى الإقليمية الأهم في العالم العربي والإسلامي مثل المملكة العربية السعودية، وتتمتع باستقرار وأمن وارف وسط محيط ظل متوتراً خلال العقدين الماضيين؛ وبذلك ساهمت بدور مشهود في حماية أمن منطقة تمثل شريان التجارة الدولية.


وفي سياق مواز، تفتح جمهورية جيبوتي، بحكم موقعها الجغرافي الإستراتيجي الفريد، أبوابها مشرّعة أمام الاستثمارات العالمية وفق ما تمليه مصالها الاقتصادية، وعلى سبيل المثال ترتبط بشراكة اقتصادية مع الصين، مما يلقى بظلاله الإيجابية على مختلف الصعد التنموية في جيبوتي في الوقت الراهن.

وإذا ألقينا نظرة سريعة على المشاريع العملاقة التي نفذتها الصين في جيبوتي، فنجد أنها تشمل قطاع المواصلات والموانئ والبنى التحية والطاقة والكهرباء وغيرها. وقد تم تشييد موانئ في العاصمة جيبوتي بتمويل صيني، ومنها ميناء دورالي متعدد الأغراض، وميناء دميرجوج النفطي، والميناء المخصص لتصدير المواشي، إلى جانب ميناء جوبيت شمال البلاد.

وعلى صعيد المواصلات فإن مما لا تخطئه العين، القطار الكهربائي السريع الذي يربط بين جيبوتي وإثيوبيا، ويمتد على مسافة تزيد على 750 كلم وبلغت تكلفته الإجمالية نحو 3.4 بليون دولار.

وفي إطار المساعي الرامية إلى جعل جمهورية جيبوتي مركزاً عالمياً للتجارة الدولية واللوجستيات، دشن الرئيس إسماعيل عمر جيلي، في تموز (يوليو) الماضي، المرحلة الأولى من أكبر منطقة تجارة وصناعة حرة في إفريقيا، على أن يكتمل المشروع، الذي بدأ تشغيله بصفة تامة، بعد عشر سنوات وبتكلفة إجمالية قدرها 3.5 بليون دولار .

وتهدف المنطقة الحرة إلى تنويع اقتصاد البلاد، واستحداث وظائف، واستقطاب استثمارات خارجية، من خلال حوافز بينها الإعفاء الضريبي وتقديم الدعم اللوجستي الكامل.

وكذلك فإن من المقرر أن يتم قريباً تشييد مطار حسن جوليد أبتدون في محافظة علي صبيح جنوب البلاد، مشتملاً على مدينة للشحن والتفريغ، وبتكلفة إجمالية قدرها 385 مليون دولار، بينما تصل تكلفة مطار أحمد ديني المرتقب تشييده في محافظة أبوخ شمال البلاد، إلى نحو 100 مليون دولار، وكلاهما بتمويل صيني.

وأما القاعدة البحرية الصينية التي أنشئت أخيراً في جيبوتي فقد شيدتها بكين، وباتفاق ثنائي، من أجل الاستخدامات اللوجيستية وحماية استثماراتها واقتصاداتها التي تمر عبر هذه المنطقة الحيوية، ولا تقوم بأي نشاط من شأنه أن يثير قلقاً دولياً كما ورد في مقال نشرته جريدة «الحياة» الموقرة في الثالث من تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، نقلاً عن «واشنطن بوست» الأميركية، بعنوان «بكين تتحدى واشنطن في القرن الإفريقي».

ومن المغالطات التي شملها ذلك المقال أن حكومة جمهورية جيبوتي تستفيد من تجارة سلاح، وصفها المقال بالمزدهرة، تمد المتمردين الحوثيين في اليمن ومجموعات إرهابية تكافحها أميركا في القارة الأفريقية بالسلاح، وهو ما يتعارض مع الحقائق الواقعية، إذ إن جيبوتي كانت الدولة الأولى التي ساندت الشرعية اليمنية فور حدوث الانقلاب وأرسلت سفيرها في صنعاء إلى عدن لتسليم رسالة خطية من الرئيس إسماعيل عمر جيلي إلى نظيره اليمني عبد ربه منصور هادي، تؤكد وقوف جيبوتي إلى جانب الشرعية، كما أن جمهورية جيبوتي عضو في فعال في التحالف العربي لدعم الشرعية اليمنية بقيادة المملكة العربية السعودية.

يضاف إلى ذلك أن أكبر قاعدة أميركية في إفريقيا تقع في جمهورية جيبوتي، وتعمل وفق اتفاقية ثنائية للتعاون في مجال مكافحة الإرهاب والقرصنة وحفظ الأمن والاستقرار في المنطقة؛ ومن هنا يدرك القارئ أن ما تضمنه مقال «واشنطن بوست» لا يصمد أمام ما يشهده الواقع من تعاون وثيق وتنسيق فعال بين جمهورية جيبوتي والولايات المتحدة الأميركية لحماية الأمن الدولي في منطقة البحر الأحمر.

ثم إن الادعاء بأن جيبوتي تزود الانقلابيين الحوثيين بالسلاح لا يستقيم مع متانة العلاقات الأخوية والإستراتيجية بين جمهورية جيبوتي والمملكة العربية السعودية الشقيقة، وتناغم الرؤى في مختلف القضايا السياسية ومن بينها أحداث المنطقة على مستوى قيادتي البلدين؛ فالمملكة العربية السعودية هي الحليف الأبدي والإستراتيجي والداعم الأقرب لجمهورية جيبوتي.

ويبدو أن المقال جهل أو تجاهل أن العلاقات الجيبوتية السعودية قديمة قدم التاريخ والإنسان، وأنها تستند إلى عوامل عدة منها التقارب الإنساني والجغرافي، والمواقف التضــامنية للمـــملكة مع جيبوتي منذ ما قبل استقلال الجمهورية وحتى يومنا هذا.

وفي المقابل كانت جمهورية جيبوتي من أوائل الدول التي قطعت علاقاتها الديبلوماسية مع إيران إبان الاعتداء على سفارة المملكة في طهران والقنصلية السعودية في مدينة مشهد، تضامناً مع الشقيقة الكبرى ورأس العرب وقبلة الإسلام والمسلمين، وإدراكاً من القيادة الجيبوتية بأن من يستهدفها فهو يستهدف أيضاً جمهورية جيبوتي.

على كل، فإن المقال المنقول من «واشنطن بوست» خلا من أي أدلة وأرقام داعمة تعضد ما تبناه من هجوم سافر لا مبرر له على جمهورية جيبوتي. وأياً كانت الجهة المغرضة التي تقف وراء مضامين هجومية عارية عن الصــــحة كتلك، فإنه كان حرياً بصحيفة عريقة كـ «الحياة» أن تتوخى الحذر في مختاراتها الأجنبية وتحتكم إلى اطلاعها ومعرفتها بجمهورية جيبوتي وأدوارها المشرّفة في الحفاظ على الأمن الإقليمي والدولي من خلال إطلالتها على مضيق باب المندب، قبل أن ترتكب خطأ مهنياً يؤثر في مكانتها الإعلامية.

* عميد السلك الديبلوماسي، سفير جيبوتي لدى المملكة العربية السعودية