«رسائل حول الشعر» لييتس: تلك المرأة/ المرآة في حياة الشاعر

ابراهيم العريس |

ربما تكون الملاحظة الأكثر غرابة التي تتعلق بالشاعر ويليام بطلر ييتس، المعتبر أحد ملوك الشعر الإنكليزي في القرن العشرين، تكمن في جهله الفاضح بكل ما يتعلق بالتنوين والقواعد الإملائية للغة الإنكليزية الجميلة التي كان يكتب بها، بحيث قيل دائماً أن «المخطوطات التي كان يرسلها إلى ناشريه كانت تُصحّح بدقة من قبل هؤلاء قبل إرسالها الى المطبعة»؛ غير أن قوة شعر ييتس وجزالة لغته وجمال أسلوبه كانت كلها تشفع له دائماً. ولئن كانت أشعار ييتس ونصوصه النثرية تشهد على ذلك، فإن شهادة إضافية عليه أتت بعد رحيله مع نشر واحد من آخر الكتب التي حملت اسمه وهو «رسائل حول الشعر» الذي ذكر المقدمون له أن ييتس كان عظيماً بين الشعراء لأنه ظل يكتب قصائده حتى آخر أيام حياته مع ملاحظة أن قصائده الأخيرة وحتى تلك التي كتبها وهو على الرمق الأخير، لم تقلّ جمالاً وعظمة عن قصائد شبابه. بل حتى في مجال النثر ظل مبدعاً حتى أيامه الأخيرة. والدليل هو تلك الرسائل التي لم يتوقف عن كتابتها موجّهاً إياها إلى دوروثي ويلسلي التي على أي حال، كانت واحدة من صديقاته القليلات اللواتي لم يُغرم بهن. بل واصل معها صداقة عميقة جعلته يعتبرها «أعظم شاعرة إنكليزية في القرن العشرين» وهو حكم لم يوافقه عليه أحد على أيّ حال!

> ويحتوي كتاب الرسائل هذا على تقييم وتقدير لأشعار كانت تلك الحسناء وسيدة المجتمع المرموقة تبعث بها إليه قبل أن تنشرها سائلة إياه التعبير عن رأيه فيها. وهو غالباً ما كان إيجابياً في بذل تلك الآراء، إلى درجة المبالغة في معظم الأحيان إلى درجة اعتقد معه كثر أول الأمر أن ثمة حكاية غرام بين الاثنين... غير أن رأيه في القصائد لم يكن ليشغل أكثر من بضعة سطور في كل رسالة، ينصرف بعدها ييتس إلى التعبير عن آرائه في الشعر والمجتمع والحياة، ليختم غالباً متحدثاً عن صحته المتهاوية وآلامه وسخطه على كلّ نقد يوجَّه إلى أشعاره أو نصوصه الأخرى، بما في ذلك، النقد المبطّن الذي كانت دوروثي نفسها توجهه إلى بعض قصائده حين يكون هو قد بالغ في تقييم شعرها ما يجعلها واثقة من نفسها وميّالة إلى ممارسة هذه الثقة ضده هو شخصياً وإن بشكل لطيف لا يقطع العلاقة أو الود بينهما. ومن هنا، وإذا نحينا تلك الفقرات، في الرسائل، الخاصة بتلك السيدة التي تبدو اليوم منسية تماماً في الحياة الثقافية الإنكليزية، اللهم إلا حين يؤتى على ذكر ييتس نفسه، يبقى لدينا من تلك النصوص التي تشغل ما لا يقل عن 300 صفحة في أصلها الإنكليزي، كونها تشكل أحد المراجع الأساسية لفهم فكر ييتس الشعري، ومواقفه من الحياة الاجتماعية والثقافية في زمنه... أي تشكل جزءاً من سيرته الذاتية.

> بل إن ثمة من بين الباحثين اليوم من يرى إمكانية أن تساعد هذه الرسائل في فهم جزء من تطور ويليلم بطلر ييتس الفكري خلال المراحل الأخيرة من حياته حيث يبدو في هذه الرسائل صادقاً أكثر مما اعتاد أن يكون في أي نصوص نثرية أخرى كتبها، إذ مع تلك الصديقة التي تواصلت صداقته معها ردحاً طويلاً من الزمن، كان يشعر دائماً أنه على سجيته ولا يحتاج إلى أن يضع على وجهه أي قناع، مرتاحاً في الوقت نفسه، كما يقول لها في غير رسالة، إلى ما يشبه اعترافات يدلي بها أمامها غير خائف أن تُعرض تلك الاعترافات أمام أعين الآخرين. وهو، لأنه لم يكن يتطلع إلى إقامة أية علاقة معها، كان يدرك أن كتاباته إليها ستكون في أمان، وهي كانت كذلك بالفعل. وفي هذا السياق قد يكون من المفيد هنا أن ننقل عن الباحثة كاتلين رين ما كتبته في تقديمها للكتاب من أن ييتس «كان يهدف خلال السنوات الأخيرة من حياته إلى أن يجسد أعلى مستويات فكرية بأبسط اللغات الممكنة»، وهو ما مكنته منه تلك الرسائل التي سيبدو واضحاً في نهاية الأمر أن الشاعر إنما كان يكتبها كأشبه ما تكون بملاحظات شخصية يريد كاتبها منها أن يستخدمها لاحقاً في نصوص أطول. بمعنى أن دوروثي ليسلي إنما لعبت في ذلك كله، دور المرآة لشاعر سوف يحلو للباحثين لاحقاً أن يقولوا إنه، في نهاية الأمر، لم يكتب إلا عن ذاته ولذاته.


> مهما يكن من أمر لعل في إمكاننا هنا، وبعد هذا كله أن نقول أن السمة الأساسية في مسار الشاعر ويليام بتلر ييتس هي انه، فيما الشعراء الآخرون يبدأون بدايات عظيمة ويسوء شعرهم مع الزمن. كان هو على العكس، يتجوهر شعره مع الوقت، إلى درجة أن أعظم أشعاره كانت تلك التي كتبها في سنواته الأخيرة، كم أشرنا أعلاه. وهو ما عبر عنه بنفسه في الخطاب الذي شكر به مانحيه جائزة نوبل للأدب عام 1923.

> وييتس يعتبر، عادة، أعظم شعراء اللغة الإنكليزية في القرن العشرين. وبه كان الإرلنديون، وظلوا، يفاخرون أعداءهم الإنكليز، لأنه لم يصانع هؤلاء أو يهادنهم كما فعل عدد كبير من الإرلنديين الذين كتبوا شعراً ونثراً وحُسبوا على الثقافة الإنكليزية بشكل عام، بل حاربهم وشارك في الثورة ضدهم. وكان يعتبر أن من مهماته الأساسية إحياء الأدب والتراث الإرلنديين، كمساهمة في المعركة ضد الإنكليز. ولن ينسى له الإرلنديون أبداً أنه هو الذي اكتشف مسرحيَّهم الكبير جون ملتون سنغ، يوم كان هذا تائها في باريس مشرداً لا يلوي على شيء، وأعاده إلى وطنه إرلندا وإلى مكانته ككاتب، فساهم هذا بدوره في بعث الأدب والمسرح الإرلنديين.

> ولد و. ب. ييتس عام 1865 في دبلن، وتوفي عام 1939 في روكبرون في الجنوب الفرنسي. وهو بين طفولته وموته كان حركة لا تهدأ: فهو، الذي أمضى القسم الأكبر من حياته في لندن، عاد إلى دبلن وهو في الخامسة عشرة من عمره، حيث تابع دروساً في الرسم- تبعاً لتقاليد أسرته- حتى عام 1889، لكنه بعد ذلك ترك الرسم حين أدرك أن الشعر وحده هو ما يهمه. وفي الوقت نفسه شغف بوطنه إرلندا، شغفاً لم يفارقه حتى الموت. وكانت أولى قصائده أشعاراً وطنية/ دينية كشفت عن تخليه عن النزعة العقلانية التي طبعت طفولته ومراهقته وكان عنوان القصائد «موسادا».

> وهو حين عاد إلى لندن بعد ذلك، ليوجد لنفسه مكانة أدبية فيها، أسس نادياً جمع فيه أهم شعراء نهاية القرن التاسع عشر. لكنه سرعان ما سئم ذلك وعاد إلى إرلندا عام 1896 لينخرط في ثورتها على الإنكليز بكل كيانه. غير أن أشعاره إذ اتجهت إلى الواقعية بدت شبه خاوية وخفيفة، ما أدى به إلى أن عاش لحظة شك حقيقية كادت أن تدمره لولا أن تمكنت من إنقاذه منها سيدة المجتمع والأدب ليدي غريغوري التي راحت تشجعه وساعدته على تأسيس «المسرح الإرلندي الأدبي» الذي صار لاحقاً «آبي ثياتر» و «الأكاديمية الإرلندية» وهما المكانان اللذان شهدا كل الأدب (بما في ذلك الشعر والمسرح) الإرلندي في القرن العشرين. وكانت لييتس، بالطبع، اليد الطولى في ذلك. وهو لم يكتف طبعاً بذلك النشاط بل راح يكتب وينشر بجنون، بمعدل كتاب على الأقل في العام طوال عشرة أعوام وأكثر.

> وفي عام 1917 تزوج ييتس من جورجي ليس التي أنجبت له ابناً وابنة، في أسرة عاشت في برج عتيق انصرف فيه ييتس كلياً إلى الكتابة، وفيه صاغ أعظم وآخر أعماله. وكان ذلك خصوصاً حين اكتشف صدفة أن زوجته «وسيطة لتحضير الأرواح»، فاستعاد نزعته الغيبية القديمة وراح يستعين بها لكتابة أشعار تشبه أشعار السورياليين الأوتوماتيكية. في عام 1923 نال ييتس جائزة نوبل للآداب. وظل بعد ذلك، على رغم تقدمه في السن، ذا قوة وصلابة وكان همه أن يشجع المواهب الشابة ويساعدها. غير أن صرامته في إطلاق أحكامه- تلك الصرامة التي استثنى من تبعاتها صديقته دوروثي ليسلي كما رأينا!- جعلت له الكثير من الأعداء، فعاش آخر أيامه وحيداً يتنقل بين إرلندا ولندن وجنوب فرنسا حيث رحل عن عالمنا أواخر كانون الثاني (يناير) 1939.