عن المزاج العام في الأردن

موسى برهومة |

منذ اغتيال الكاتب والناشط الأردني ناهض حتّر، أمام مدخل محكمة بوسط العاصمة عمّان في الخامس والعشرين من أيلول (سبتمبر) 2017، دخل المزاج العام في الأردن في مرحلة جديدة ذات ملامح تختلف جذرياً عما سبقها. كان الاغتيال، في وضح النهار، علامة على سقوط الخطوط الحمراء في الحياة السياسية في الأردن، وانهيار السقوف، وسيادة خطاب عدمي بلا شطآن، تغذيه فتوحات العولمة، وفضاءات «السوشال ميديا» بفيضانات أكاذيبها ومبالغاتها واحتقاناتها وكبتها العنيف.


سمع قاتل حتر عبر «الفايسبوك» أنّ الرجل أعاد نشر رسم مسيء للذات الإلهية، وقرأ وشاهد بركان التحريض ضد حتر الذي اندلعت حممه في شكل مليء بالكراهية والشيطنة، فقرر القاتل الذي لا ينتسب الى أي تنظيم سياسي، أنّ ينفّذ حد القصاص بنفسه، فأطلق عليه الرصاص من مسافة صفر وأرداه مضرّجاً بدمائه.

تلك الحادثة بدمويتها وروحها الثأرية لم يألفها من قبل المجتمع والنظام في الأردن، حيث إنّ تصفية السياسيين المعارضين وقتلهم وإخفاءهم ليست واردة في القاموس السياسي في المملكة. لذا فتحت حادثة الاغتيال الدرب أمام تهديدات للناشطات والنشطاء الذين «يتطاولون» في تفكيرهم على ما يعتبره بعضهم «مسلّمات دينية»، وهو مصطلح فضاض يتسع لكل شيء، حتى أنّ سياسياً مخضرماً ووزيراً ونائباً سابقاً لدورات عديدة في البرلمان الأردني، تلقى تهديدات بمواجهة مصير حتر نفسه، لأنه انتقد في منشور له على «الفايسبوك» عبدالله عزام، وسيد قطب، وابن تيمية، وحمّلهم وزر العنف والنزعة الإقصائية التي يتسم بهما خطاب حركات الإسلام السياسي.

وبالكيفية ذاتها التي تم بها إزهاق روح ناهض حتر، تجري وقائع كثيرة في الأردن، حيث لم تعد هناك حدود، وسقطت المواضعات، وانهارت التوافقات، وسادت قيم تنتسب إلى الغابة أكثر من انتسابها الى دولة ستحتفل بعد سنوات بمرور مائة عام على إنشائها. ففي الأردن، يقرر طلبة غاضبون في بداية العام الدراسي، تحطيم أثاث المدرسة احتجاجاً على مديرهم، وفي جامعة آل البيت يقرر موظفون محتقنون اقتحام مكتب رئيس الجامعة، وهو عالم مخضرم ذو باع طويلة في الفيزياء، ويجبرونه على الخروج من مكتبه تحت التهديد، هاتفين «إرحل، إرحل»، فيقرر الرئيس عدم العودة الى الجامعة وتقديم استقالته «خوفاً على حياته».

وفي الأردن أيضاً، يكشف نائب عن قضية فساد في أكبر المستشفيات الحكومية تتمثل في تقاضي أكثر من 800 موظف رواتبهم من دون الذهاب إلى الدوام والعمل، فتجري في اليوم التالي مداهمة لمكتب نائب، له صلة بكشف القضية، بذريعة أنّ النائب المعني متورط في تهريب المخدرات.

وفي السياق ذاته، يحاول مواطن أن يخرج بسيارته من أزمة سير سبّبتها زفة عرس (يسمونها فاردة)، فتلحق به مجموعة من أهالي العريس وتحطم سيارته أمام مرأى الشرطة التي لم تحرك ساكناً، فتصاب زوجة المواطن، ويصاب ابنه ذو الثلاثة أعوام بحجر كبير برأسه يقتله. وقبل هذه الحادثة بوقت قصير، يتعرض شرطي سير للضرب والإهانة، لأنه حرّر مخالفة لسيارات في عرس كانت تغلق شارعاً عاماً.

سقطت المهابة عن القانون، وتفتّتت هيبة الدولة، ولم يعد في القوم كبير، فصار الميدان على اتساعه مفتوحاً أمام الصغار و»المتحمسين الأوغاد» وأصحاب الأجندات وقوى الشد العكسي وأعداء الإصلاح وروّاد الخطاب الإقليمي الذين يختبئون وراء مقاومة «صفقة القرن» لضرب مكوّن أساسي في المجتمع وتهميشه، في خطوة استباقية، بدأت ملامحها تتضح عبر التنمّر على الملكة رانيا العبدالله، وكيل اتهامات لها ما أنزل الله بها من سلطان، والتخصص في شيطنتها عبر البيانات النارية، والتسجيلات المصورة الآتية من وراء البحار، وسوى ذلك مما يفيض به هراء «السوشال ميديا» التي أقالت العقل، وعطلت التفكير، واستهانت بالذوق العام، وشوهت تاريخ التوافق بين الجماعات، وحولت البشر إلى مجموعة من اللصوص. ولا عجب في غمرة ذلك أن يخرج أحد الحواة، فيحمّل الملكة المسؤولية عن «اتساع ثقب الأوزون»، ولا عجب لو صدقه كثر من القوم المثيرين للشّغب والفوضى... والشفقة!

* كاتب وأكاديمي أردني