الإرث الكولونيالي في التعامل مع المسلمين

غلاف الكتاب
محمد م. الأرناؤوط |

في ذروة «انشغال» الدول الكبرى بالتعامل مع «داعش» وأخواته صدرت في أوكسفورد عام 2016 النسخة الورقية (الأكثر شيوعاً) من كتاب «الإسلام والإمبراطوريات الأوروبية» من تحرير جون ماتدال أستاذ التاريخ في جامعة كامبردج، وهو الكتاب الذي كانت النسخة المجلدة (التي تذهب عادة للمكتبات والمؤسسات المعنية) ظهرت في أواخر 2014. كان الكتاب يوحي بمدى خبرة الإمبراطوريات التي حكمت غالبية المسلمين في العالم حتى منتصف القرن العشرين، وبماذا استفادت الدول التي ورثت تلك الإمبراطوريات من هذه «الخبرة المتراكمة». ويلاحظ هنا أن الإمبراطوريات المشمولة في هذا الكتاب (الروسية والبريطانية والفرنسية والهولندية والألمانية) حكمت معظم العالم الإسلامي من إندونيسيا إلى المغرب الأقصى بمسميات مختلفة وتجارب متنوعة وتعاملت مع المسلمين وثوراتهم ضد الحكم الاستعماري بطرائق مختلفة لا تزال حية لدى بعض الشعوب.


أما محرر الكتاب جون ماتدال فكان قد انشغل بهذا الموضوع قبل الكتاب بسنوات، حيث نشر عام 2012 في «المجلة التاريخية» دراسة بالعنوان ذاته «الإسلام والإمبراطوريات الغربية» ثم نشر بعد سنتين كتابه المهم «الإسلام في حرب ألمانيا النازية» الذي مهّد فيه في الفصل الأول لخبرة الإمبراطورية الألمانية في التعامل مع المسلمين التي استفادت منها لاحقاً ألمانيا النازية. ويبدو أن صدور هذا الكتاب وما أثاره من اهتمام شجع المؤلف على اختيار الدراسات التي تغطي الإمبراطوريات الأخرى (الروسية والهولندية والبريطانية والفرنسية) لإصدار الكتاب الجديد الذي كتب له مقدمته التي اعتمد فيها على دراسته المنشورة في «المجلة التاريخية» المذكورة. ويلاحظ هنا أن المؤلفين المشاركين بدراساتهم المنشورة سابقاً، والتي اختارها جون ماتدال لأجل هذا الكتاب، يتنوعون بين أكاديميين أوروبيين ومسلمين يعملون في أشهر الجامعات الأوروبية والأميركية واشتهروا باختصاصهم ومؤلفاتهم التي تناولت الإرث الإمبراطوري في التعامل مع المسلمين في منطقة بعينها.

في مقدمته للكتاب ينطلق جون ماتدال من كون الإمبراطوريات حكمت معظم العالم الإسلامي من جنوب شرقي آسيا إلى المغرب الأقصى، وأجمعت على تقدير الأهمية السياسية للإسلام، لذلك كان السياسيون والمسؤولون الكولونياليون حذرين في الأمور الدينية لرعاياهم المسلمين. من هنا، كما يوضّح المحرر، أصبحت إدارة الأمور الدينية للمسلمين مسألة مركزية للحكم الكولونيالي وحرصت السلطات الأوروبية في المستعمرات على توظيف رجال الدين والمؤسسات الإسلامية لتعزيز السيطرة الاجتماعية والسياسية. ولكن، في الوقت ذاته، كما يضيف المحرر، كانت أروقة الحكم الإمبراطورية في لندن وباريس وسان بطرسبرغ مسكونة بهاجس «الجامعة الإسلامية» التي برزت بقوة في النصف الثاني للقرن التاسع عشر.

من ناحية أخرى، ينتقل المحرر إلى انشغال المؤرخين لفترة طويلة بمسألة التداخل بين الدين والحكم الإمبراطوري، أو بين دين الإمبراطورية الرسمي ودين المحكومين. فقد ركزت الدراسات السابقة، حسب رأي المحرر، على دور البعثات التبشيرية التي كانت تعتبر جزءاً من السياسة التوسعية للإمبراطورية بناء على القول الشائع «البعثة التبشيرية أولاً ثم القنصل وأخيراً الغزو العسكري». ولكن بعد ذلك، كما يضيف المحرر، أخذت الدراسات اللاحقة تميل إلى أن حركة البعثات التبشيرية في الإمبراطوريات الأوروبية كانت أقل أهمية مما كان يُعتقد. وبالاستناد إلى الدراسات الجديدة فقد كانت البعثات التبشيرية تنطلق خارج حدود الإمبراطوريات، بينما كان حكام الإمبراطوريات يطبقون سياسة محايدة بين الأديان ويفضلون عدم التدخل في الشؤون الدينية بما في ذلك إعطاء مكانة أو وضعية مميزة للبعثات التبشيرية حتى لا يثيروا سخط المسلمين.

وفي هذا السياق، لا يفوت المحرر أن يذكر أن سكان الإمبراطوريات الأوروبية كانوا يتنوعون بانتماءاتهم الدينية، حيث يتوزعون على المسلمين واليهود والمسيحيين المحليين والسيخ والهندوس والبوذيين، ومع ذلك فقد كان المسلمون يحظون باهتمام من حكام الإمبراطوريات لأنهم كانوا أكثر استعداداً للتمرد على الحكم الكولونيالي.

ومع تنوع الدراسات السابقة، يأخذ جون هاتدال على الذين اشتغلوا على تاريخ المسلمين في الإمبراطوريات الأوروبية أنهم كانوا يركزون على إمبراطورية معينة أو منطقة معينة، أي أنه «كان لدينا نقص في الدراسات المقارنة». من هنا، اشتغل المحرر على اختيار مجموعة من الدراسات لمؤرخين اشتغلوا على تاريخ الإسلام والمسلمين في إمبراطوريات ومناطق مختلفة ليقدم في هذا الشكل «أول حصيلة مقارنة لتاريخ الإسلام في الإمبراطوريات الأوروبية». ولكن، على القارئ هنا أن يقوم بجهده ليستحصل مقاربة نقدية بين هذه الدراسات المتنوعة التي جُمّعت وصدرت مع بعضها لأول مرة بسبب غياب تاريخ شامل ومقارن للإسلام في الإمبراطوريات المذكورة هنا وغير المذكورة.

ونظراً إلى التنوع في هذه الدراسات المنشورة سابقاً في أماكن مختلفة، فقد سعى المحرر إلى أن يوزعها على ثلاثة محاور أو أقسام في الكتاب الحالي حتى يساعد القارئ على مقاربة مقارنة يستخلص منها ما يراه مناسباً.

ففي القسم الأول «الإسلام والحكم الإمبراطوري» لدينا دراسات روبرت د. غروز «عالم الإسلام الروسي» وجون سلايت «الحكم الإمبراطوري البريطاني والحج» وإريك تاغلياكوزو «الإمبراطورية الهولندية والحج» وجون كلنسي - سميث «الإسلام والإمبراطورية الفرنسية في أفريقيا الشمالية» وفيليتاس بيكر «الإسلام والإمبريالية في شرق آسيا».

وفي القسم الثاني «الإسلام ومقاومة الحكم الكولونيالي» لدينا دراسات عمر رياض «مناهضة الإمبريالية وحركة الجامعة الإسلامية» وبنيامين د. هوبكينز «الإسلام والمقاومة في الإمبراطورية البريطانية» وكنوت فيكور «الثورات الدينية في أفريقيا الشمالية المستعمرة» ومايكل رينولدز «تحشيد المسلمين في روسيا القيصرية: القوقاز» وغريت كناب «المقاومة الإسلامية في الإمبراطورية الاستعمارية الهولندية».

أما في القسم الثالث «الاستعمار والمعرفة الكولونيالية» فلدينا دراسات ربيكا هبرماس «نقاشات حول الإسلام في ألمانيا الإمبراطورية» وفيصل دوجي «الإسلام والفكر الإمبراطوري البريطاني» وجورج ر. ترومبل السادس «المعرفة الكولونيالية الفرنسية حول المرابطين» وجميل آيدن «الإسلام والإمبراطوريات الأوروبية في الفكر الإمبراطوري الياباني».

ومن ناحية أخرى، ومع الاعتراف بأهمية الاختيار لهذه الإمبراطوريات الأربعة (روسيا وبريطانيا وفرنسا وهولندا وألمانيا) إلا أن الكتاب تنقصه تجربتان مهمتان. أما الأولى فهي تجربة الإمبراطورية الألمانية التي انهارت مع نهاية الحرب العالمية الأولى، على الرغم من الفصل الموجود في الكتاب. فقد اهتمت برلين بالإسلام والمسلمين من أجل مشروعاتها التوسعية، بعد أن ضمنت مشاركة الدولة العثمانية في الحرب إلى صفها، وعملت على حشد المسلمين حول الخلافة وانتظار إعلان السلطان للجهاد ضد «أعداء الإسلام» (روسيا وبريطانيا وفرنسا)، وهو ما تناوله المحرر في الفصل الأول من كتابه «الإسلام وحرب ألمانيا النازية» وكان من الأفضل لو ضمّه إلى هذا الكتاب.

أما النقص الآخر المهم فهو تجربة الإمبراطورية النمسوية التي احتلت البوسنة والهرسك في 1878 وسعت إلى توسيع سيطرتها على غرب البلقان (ذي الغالبية المسلمة) وصولا إلى البحر الأدرياتيكي في الغرب وبحر إيجة في الجنوب. فعلى الرغم من المقاومة المستميتة لمسلمي البوسنة سعت فيينا بالتدرّج إلى احتواء المسلمين وإنشاء المجلس الإسلامي الأعلى الذي يتولى شؤون التعليم والأوقاف للمسلمين مع فسح المجال لانتخاب المسلمين لرئيسه الذي كان المفتي الأكبر للبوسنة، وهي التجربة التي استلهمتها بريطانيا لاحقاً في فلسطين عام 1921.

كتاب ماتادل، على الرغم من كل ذلك، يأتي في وقته للتعريف بخبرة الإمبراطوريات الكبرى في حكم المسلمين والسياسات التي اتبعوها سواء لاحتوائهم أو قمع ثوراتهم والمعرفة أو الخبرة التي تشكلت في عواصم الإمبراطوريات عن كل ذلك، وهو لأجل ذلك يستحق الترجمة العربية مع مقدمة جديدة وتعويض ما فيه من نقص.