مصر في ذاكرة أسير ألماني من القرن الخامس عشر

(ويكيبيديا)
حاتم الطحاوي |

قليلة هي اليوميات والسجلات التي خلفها الجنود الذين سقطوا في الأسر عن حياتهم الجديدة مقارنة مع العدد الكبير للأسرى الذين سقطوا عبر الحروب طوال التاريخ. والأجمل منها ملاحظاتهم حول المجتمع الغريب الذي عاشوا به لسنوات طويلة قبل أن يتم تحريرهم عبر وسائل عدة، أهمها العتق أو الافتداء أو المبادلة، أو حتى نجاحهم في الهرب والعودة إلى الوطن الأم.


عاش الصبي يوهان شيلتبرغر في إقليم بافاريا بالقرب من مدينة ميونيخ. وعندما سمع بتجمع القوى الأوروبية المسيحية لمحاربة العثمانيين قرر- بنزق الصبا - الالتحاق بالقوات التي كانت تحت قيادة سيغموند ملك المجر.

وبعدما نجح العثمانيون في إلحاق هزيمة نكراء بتلك الحملة الصليبية عبر ما عرف بمعركة نيقوبوليس 1394م، تشتت شمل القوات الصليبية تماماً وغنم العثمانيون أعداداً هائلة من الأسرى، فضلاً عن الأسلاب والغنائم، ووقع اختيار السلطان العثماني المنتصر على الصبي البافاري شيلتبرغر ليعمل في حاشيته.

استمر أسيرنا في خدمة السلطان العثماني بايزيد الأول حتى هزيمة الأخير وأسره على يد العاهل المغولي تيمورلنك عقب موقعة أنقرة 1402م. ولا بد أن شيلتبرغر قد أظهر مهارة في عمله الأمر الذي جعله ينضم الى حاشية المنتصر الجديد. بعد وفاة تيمورلنك انتقل شيلتبرغر مجدداً إلى خدمة ابنه ميران شاه، الذي أهداه إلى أصدقائه حكام مغول القبيلة الذهبية، قبل أن يتمكن في النهاية من الفرار والعودة إلى ألمانيا 1427م.

أشار شيلتبرغر إلى مصر مرات عدة في مذكراته، وخص القاهرة والإسكندرية وسيناء باهتمامه الكبير. وإن أغفل الإسهاب في الحديث عن القاهرة عاصمة دولة المماليك المنافس الطبيعي للعثمانيين والمغول آنذاك فيحسب له أنه أشار إلى مدينة القاهرة بوصفها مدينة (مصر). وهي مفارقة تظهر أن تسمية مدينة القاهرة مصر هي تسمية قديمة ظهرت في بعض المصادر المعاصرة. كما تحدث عن انتشار زراعة نبات البلسم بها، وعلى حصول السلطان المملوكي على أرباح مرتفعة نتيجة احتكار تجارته. ولم يفته أن يشكو من غش التجار والعطارين للبلسم حيث يقومون بخلطه من أجل الحصول على أرباح مضاعفة.

وعلى رغم إشارته السريعة إلى القاهرة وتجارة البلسم بها فمن الغريب أنه لم يشر إلى الأهرامات والعمارة الفرعونية والإسلامية. وتفسير ذلك يكمن في اهتمامات شيلتبرغر الدينية والتجارية التي ظهرت في حديثه عبر إشارات عن نبات البلسم الذي يستخدم في الكنائس، وكذا إشاراته العديدة إلى دير سانت كاترين. وكذلك حديثه عن مدينة الإسكندرية والتجار الأجانب بها.

تحدث الأسير شيلتبرغر عن الإسكندرية فذكر أنها مدينة خلابة يبلغ طولها حوالي سبعة أميال وعرضها ثلاثة أميال ويصب نهر النيل في البحر قبل المدينة.ويبدو أنه كان يقصد فرع رشيد القريب نوعاً ما من الإسكندرية كما ذكر أنه لا توجد أية مصادر للمياه العذبة بالمدينة سوي بنقل مياه النيل العذبة إليها عبر الصهاريج.

وفي إشارة إلى الازدهار التجاري الكبير للمدينة في عصر سلاطين المماليك، وإلى تواجد التجار الإيطاليين وحصولهم على امتيازات تجارية بها ذكر شيلتبرغر أن الكثير من تجار مدن البندقية وجنوا يصلون بسفنهم لممارسة التجارة في ميناء الإسكندرية حيث امتلك هؤلاء التجار مكاتب لعقد صفقاتهم التجارية. كما تحدث عن إقامتهم في فنادق خاصة بهم داخل المدينة. ولم يفته أن يذكر أن السلطات المملوكية قد فرضت حظراً على التجار الأجانب بحيث يجتمعون داخل فنادقهم ليلاً ويمنعون نهائياً من البقاء خارجها أو التجول في شوارع الإسكندرية.

كما كلفت السلطات المملوكية أحد موظفيها بإغلاق فنادق التجار الأجانب ليلاً والاحتفاظ بالمفتاح معه حتي الصباح. ويتفق ما ذكره شيلتبرغر عن التجار الأجانب والازدهار التجاري لميناء الإسكندرية مع باقي المصادر المملوكية التاريخية المعاصرة.

وفي محاولة منه لتفسير هذا الحذر المملوكي تجاه التجار الأجانب يذكر شيلتبرغر ان ذلك كان نتيجة لما سبق من مباغتة سفن الروم للمدينة ونهبها. ويبدو أنه كان يقول هنا من دون أن يصرح، إن الغارة التي قام بها الملك الصليبي في قبرص بطرس لوزينان على الإسكندرية 767هـ/ 1369م في عهد الملك الطفل الأشرف شعبان حفيد الناصر محمد بن قلاوون حيث باغت الأسطول الصليبي المدينة وارتكبت جنوده أعمالاً وحشيةً بها، ونهب الجنود كل ما وقعت عليه عيونهم قبل أن يعود الأسطول إلى جزيرة قبرص. ووصفت المصادر التاريخية الملك الصليبي وحملته على المدينة « بأنه دخلها لصاً، وخرج منها لصاً».

كما أفاض شيلتبرغر في الحديث عن منارة الإسكندرية وتاريخها فذكر أنها كانت توجد بجوار ميناء المدينة وتعلوها مرآة يمكن من خلالها مشاهدة السفن الموجودة بالمتوسط حتي جزيرة قبرص.

وتبدو ثقافة الأسير البافاري رفيعة لدي الحديث عن تاريخ منارة الإسكندرية فيشير إلى أسطورة وردت بشكل متنوع في الكثير من المصادر العربية والأوروبية بل والصينية أيضاً، مفادها أن أحد القساوسة المسيحيين سأل أحد الملوك الأوروبيين عن جائزته إذا ما نجح في تحطيم مرآة الاسكندرية التي تسببت في العديد من الخسائر للسفن المسيحية في البحر المتوسط. فوعده الملك بتوليته الأبرشية التي يختارها في بلاده. توجه القس بعد ذلك إلى البابا في روما، وطلب منه أن يوافق على تظاهره بالارتداد عن المسيحية حتي يستطيع النجاح في مهمته.

ويستكمل شيلتبرغر ما سمعه من تلك الأسطورة فيذكر توجه القس من روما إلى الإسكندرية حيث تظاهر باعتناق الإسلام وتعلم اللغة العربية لدرجة أنه أصبح شيخاً يعظ المسلمين في دينهم، وارتقى مكانة عالية في مجتمع الإسكندرية وأصبح موضع ثقة بسبب كونه تحول من قس مسيحي إلى شيخ مسلم، ما دفعهم إلى سؤاله عن دار العبادة التي يفضلها في مدينتهم حتي يقوموا بمنحها له مدي الحياة.

وكان القس يعرف أن إحدى دور العبادة يقع داخل المنارة فطلب أن تمنح له. وكان له ما أراد، إذ قام سكان الاسكندرية بتسليمه أيضاً مفاتيح المرآة. وتمضي الأسطورة في طريقها لتذكر مكوث القس/ الشيخ بالإسكندرية تسعة أعوام للحصول على الأمان اللازم لتنفيذ مهمته، اتصل بعدها بملك الروم بحيث يتقدم الأخير بسفنه إلى المدينة، على أن يقوم هو بتحطيم المرآة قبل الهرب بعد ذلك والالتحاق بالسفن الرومية. وعندما قدم أسطول الروم لم يستطع القس كسر المرآة إلا بعد ثلاث ضربات عنيفة بالمطرقة، فارتاع أهل الإسكندرية من الضوضاء والجلبة المصاحبة لذلك وأسرعوا إلى المنارة وقاموا بحصاره فلم يستطع الفرار وقفز من إحدى نوافذ المنارة إلى البحر ليلقي مصرعه غرقاً.

ونتيجة للخلفية المسيحية للأسير شيلتبرغر فقد اهتم بتدوين ما سمعه عن دير سانت كاترين قي سيناء وذكر صراحة أنه لم يذهب إلى هناك، بل سمع عن الدير ومعجزاته من المسيحيين والمسلمين معاً.

ونحن نعرف – وفق الأسطورة المشهورة عنها- أن القديسة كاترين كانت فتاة جميلة ومثقفة من أفراد الطبقة العليا في الإسكندرية زمن الإمبراطور الروماني مكسنتيوس حيث رفضت عبادة الأوثان فما كان من الأخير، إلا أن طلب مناظرتها مع 50 فيلسوفاً وثنياً تم في ما بعد إحراقهم أحياء بعد نجاح القديسة كاترين في تقويض حججهم جميعاً.

بعد ذلك أصرت كاترين على عدم إنكار إيمانها بل ورفضت طلب الزواج الذي تقدم به الإمبراطور مما دفع الأخير إلى الأمر بضربها وسجنها.

و كانت تأتيها حمامة تقوم بإطعامها في زنزانتها وفي النهاية أمر الإمبراطور بتعذيبها عبر وضع جسدها في عجلة ذات مسامير مدببة. إلا أن العجلة تحطمت ولم تصب كاترين بسوء، الأمر الذي دفع الإمبراطور إلى ضرب عنقها لتشير الأسطورة المتعلقة بها إلى تدفق اللبن من عروقها بدل الدماء. وبعدها قام الملائكة بحمل جسدها إلى جبل سيناء.

نعود إلى شيلتبرغر الذي ذكر وجود دير في أعلى جبل سانت كاترين، يقطن فيه الرهبان اليونانيون الأرثوذوكس الذين كانوا لا يأكلون اللحم، ولا يشربون الخمر ويصومون بشكل دائم.

وتحدث أيضاً عن توفير إمدادات الزيت اللازمة لإضاءة قناديل الدير، فضلاً عن الطعام وذكر أن ذلك قد حدث عبر معجزة من الرب. فعندما ينضج الزيتون تحضر جميع طيور المنطقة ويحضر كل طائر في منقاره فرعاً من شجرة الزيتون إلى جبل سانت كاترين حيث يتلقفه الرهبان. كما ذكر أن عظام القديسة كاترين ترقد بأمان في هذا الدير حيث يستقبل رئيسه الحجاج المسيحيين القادمين من أوروبا، ومعه عصا فضية يلمس فيها جسد القديسة وعظامها.

كما أشار أيضاً أنه خلف مذبحة الكنيسة توجد بقعة مقدسة حيث تجلي الرب لموسي النبي بها وأمره ألا يخلع نعليه لأنها بقعة طاهرة، و لهذا يقوم رهبان الدير أيضاً بخلع نعالهم أمام هذا المكان المقدس. وذكر أيضاً انه يوجد على جبل سانت كاترين المكان الذي فر إليه موسي عندما رأي وجه الرب والبقعة التي سلم فيها الرب الألواح المشتملة على الوصاية العشر إلى موسى، وكذلك الكهف الذي مكث فيه طوال فترة صيامه التي بلغت أربعين يوماً.

وأنهى الأسير البافاري شيلتبرغر حديثه عن مصر بذكر حدوث معجزة عظيمة بدير سانت كاترين الذي كان يضاء دائماً بواسطة الكثير من القناديل التي يبلغ عددها عدد رهبان الدير. إذ كان يخفت ضوء القنديل عند اقتراب وفاة الراهب، فإن تلاشى الضوء مات الراهب بالفعل! وعند اقتراب أجل رئيس الدير يجد منشد القداس رسالة على المذبح مكتوب عليها اسم رئيس الدير المقبل... وقد أشعل قنديله من تلقاء نفسه!

وفي النهاية، لا يمكننا أن نختم حديثنا عن صورة مصر في مذكرات شيلتبرغر في القرن الخامس عشر الميلادي، من دون التنويه بتأثره وترديده بعض ما سبق أن أشارت إليه بعض كتب الرحلات السابقة عليه، من ذلك ما ذكره جون ماندفيل (1322 – 1356م)، بخاصة ما تعلق منها بالحديث عن البلسم في القاهرة، وجلب الطيور لأغصان الزيتون، وانطفاء الشموع وموت الرهبان في دير سانت كاترين. الأمر الذي يثير إشكالية علمية لدى المتخصصين... هل زار شيلتبرغر تلك الأماكن حقاً، أم اطلع عليها في كتابات الآخرين؟