الرحالة والجغرافيون في أوروبا العصور الوسطى

غلاف الكتاب (الحياة)
عصام السعيد |

يعد كتاب «الرحالة والجغرافيون في أوروبا العصور الوسطى» آخر ما ألفه العالم الجليل الدكتور محمود سعيد عمران الصادر عن دار المعرفة الجامعية في الإسكندرية، ولقد ذكر المؤلف رحالة وجغرافيين في العصور الوسطى من أوروبا، زاروا مصر وبلاد الشام ومنهم من ذهب إلى أبعد من ذلك في اتجاه المشرق فوصل إلى العراق، وبعضهم وصل إلى الصين والهند إما لأغراض دينية أو تجارية أو سياسية. والحقيقة أن هؤلاء الرحالة سجلوا ما شاهدوه أو ما سمعوه عنه وقدموا لنا معلومات قيمة كانت مجهولة، وإن كانت لأخذ كل ما ذُكر بأنه الحقيقة التامة. ولا بد للباحث أن يدرك أن الرحالة قد يذكر أشياء ويغفل أشياء طبقاً لهواه، بخاصة إن كان آتياً من حضارة ناشئة فتية وزائراً حضارة توارت وما إلى ذلك، فيما يأخذ على الرحالة في كتابتهم في إطار التدقيق التاريخي.


وكان من بينهم الجغرافيون الذين كتبوا عن بلاد زاروها أم لا، لكنهم جمعوا معلومات جغرافية عن هذه الأماكن وسجلوها، سواء كانت أراضي أو بحاراً أو ما شاهدوه من كواكب أو ظواهر المد والجزر كذلك الظواهر الفلكية مثل الخسوف أو الكسوف كذلك الفيضانات، إضافة إلى مشاهدتهم زلازل وبراكين.

ويتكلم الكتاب عن بعض رسامي الخرائط، فمنهم العلماء الذين لديهم القدرة على جمع المعلومات الجغرافية عن بعض البلاد ووضعها جنباً إلى جنب بمقياس رسم واحد، وكانوا اجتهدوا بعد ذلك في جمع المعلومات الجغرافية عن القارات الثلاث ووضعوا خريطة للعالم، ثم طوروا هذه المعلومات وأضافوا إليها ما وجدوه صواباً واستبعدوا ما وجدوه غير ذلك. وإذا كان الإيطاليون يتميزون برحالتهم، فإن المدارس الألمانية والفلمنكية والإنكليزية كانت لها الريادة في علم الجغرافيا ورسم الخرائط.

ويمكن تناول رحلة جوردانوس القطلاني نموذجاً، فهو يعرف باسم جوردانوس القطلاني Jordanus Catalani ولعله فرنسي من أصول كتالونية في شمال إسبانيا، وقد رحلته استمرت في الفترة من 1321 – 1330م، وهو راهب دومينيكاني ورحالة وجغرافي، وكان قد ذهب في ارسإلية دينية للتبشير بالديانة المسيحية على المذهب الكاثوليكي، وهو مكتشف جغرافي لبعض أراضي آسيا وقدم لنا كتاباً يعرف باسم Mirable أو وصفاً لعجائب الشرق Describing The Marvels of The East. ولعل جودانوس من مواليد عام 1302 في مدينة سفراك لشاتو Severac Le-Chateau في منطقة أفريون Avreyron التي تقع في شمال شرقي مدينة تولوز Toulouse، ولعله سافر إلى الشرق، ولكن المؤكد لدينا أنه سافر في إحدى الإرساليات الدينية ضمن بعثة تحت قيادة الراهب الفرنسيسكاني توماس أف تولونتيو Tomas of Tolenlino وآخرين إلى بلاد الصين، ولسوء حظ هذه البعثة أن جزيرة سالستا Salsette قريبة من مدينة مومباي، حيث قتل منها أربعة في 1321م. وقد نجا جوردانوس من الموت، وهرب إلى بلاد فارس، حيث انضم إلى بعض الرهبان الدومينيكان. ومن هذه المنطقة، كتب خطابات وصل منها اثنان، الأول مؤرخ في الثاني عشر من تشرين الأول (أكتوبر) عام 1321م، والثاني في الرابع عشر من كانون الثاني (يناير) من عام 1324م. يتضح من هذين الخطابين أن جوردانوس كان يقوم بعملية التبشير للديانة المسيحية على المذهب الكاثوليكي في بلاد الهند، حيث منطقة كولمبوم Columbum وذلك منذ عام 1321م.

ويروي جوردانوس أنه علم من التجار الأوروبين بعض المعلومات عن بلاد الحبشة. ومن خطابات الرحالة جورانوس يبدو أنه مثل معاصره مارينو سانوتو (Marino Sanuto (1306 – 1321 قد شجع البابا على أن يرسل اسطولاً أوروبياً للسيطرة على بحار بلاد الهند. وواقع الحال أن جوردانوس قد زار منطقة كولام Collam في بلاد الهند في الفترة من 1324 – 1328، ومن الواضح أنه استقر في هذه المنطقة واتخذها مركزاً لدعوته والتبشير بالديانة المسيحية، ويتضح من النصوص أنه عاد إلى أوروبا في عام 1328 عبر بلاد فارس، ثم إلى آسيا الصغرى حيث مر بشبه جزيرة القرم. وفي العام التالي منحه البابا يوحنا الثاني والعشرون John XXII لقب أسقف لمدينة كولام (الحادي والعشرين من أغسطس عام 1329)، وكانت هذه أول أسقفية كاثوليكية تقام في بلاد الهند كلها، وكان سلطانها يمتد على ما يعرف الآن باسم الهند وباكستان وأفغانستان وبنغلادش وبورما وسيريلانكا. وفي تلك المرحلة كان توماس أف مانكسولا Thomas of Mancasola يتولى أسقفية سمرقند، وقد منح يوحنا دي كورا John De Cora رئيس الأسقفية سلطانية – وهي عاصمة دولة المغول في فارس – كل من جوردانوس وتوماس لقب الأسقف وسلمهما رداء الأسقفية.

ومن محصلة أسفار جوردانوس، قدم كتابه وصف عجائب الشرق التي يمكن تحديد زمنه في الفترة من 1329 – 1338. والحقيقة أن جوردانوس قدم في هذا الكتاب الكثير من المعلومات بدأها بالحديث عن البحر المتوسط، وفي الفصل الثاني تحدث عن بلاد أرمينيا، وفي الثالث سجل معلوماته عن بلاد فارس، والرابع عن الهند الصغرى، والخامس عن الهند الكبرى، أما السادس فقد تكلم عن بلاد الحبشة واعتبرها جزءاً من أفريقيا، والسابع عن البلاد العربية، والثامن عن بلاد المغول الكبرى، والتاسع عن أقالبم بلاد القوقاز، والعاشر عن بلاد أران Aran، والحادي عشر عن إقليم موجان Mogan ويقصد به منطقة باكو، والثاني عشر عن مرتفعات بحر قزوين والثالث عشر عن بلاد جورجيا، والرابع عشر عن المسافات بين المدن، أما الخامس عشر فسجل معلوماته عن جزيرة خيوس Chios في بحر إيجه، والسادس عشر والأخير عن بعض المعلومات عن بلاد الأتراك.

والكتاب في مجمله نموذج لارتباط علم الجغرافيا بعلم التاريخ ويقدم معلومات تاريخية وجغرافية غاية في الأهمية.