«مشروع شيكاغو تريبيون» لغروبيوس: يوم عجز الألماني عن إقناع الأميركيين

ابراهيم العريس |

مرة أخرى، نجدنا هنا أمام واحد من تلك المشروعات الإبداعية التي يصوغها أصحابها ثم يحدث لسبب أو لآخر أن يستنكفوا عن تحقيقها فتكون النتيجة إن كان العمل جماعياً (فيلماً أو أوبرا أو هندسة معمارية)، أن تبقى للصياغة الأولى نقاوتها وقد طوي المشروع إلى الأبد وصار جديراً بأن ينضم إلى متحف أهم الأعمال غير المنجزة في تاريخ الفن. العمل الذي نحن في صدده هنا، والذي لم يُحقق أبداً لأسباب بقيت طي الكتمان، هو مشروع بناء ناطحة سحاب قدمه المعماري الألماني غروبيوس عام 1922 إلى اللجنة المكلفة إقامة بناء ضخم وسط مدينة شيكاغو الأميركية لنقل إدارة تحرير الصحيفة اليه احتفالاً بالذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس الصحيفة. يومذاك، أعطي المعماريون الأميركيون حتى الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) من ذلك العام لتقديم أفكارهم فيما أعطي الأجانب حتى الأول من كانون الأول (ديسمبر). لكن الذي حدث هو أن اللجنة المكلفة فضّ العروض اجتمعت في الثالث عشر من تشرين الثاني واتخذت قرارها تكليف شركة رايموند هود الأميركية بناء البرج، غاضة الطرف عما سيأتي من عروض بعد ذلك. وهكذا خسر غروبيوس - وشريكه في المشروع ادولف ماير - أي أمل فطوي مشروعهما.


> ومع هذا، يمكن اليوم النظر إلى تفاصيل مشروع غروبيوس بوصفه قمة في الحداثة العمرانية في زمنه، بخاصة أنه نقل إلى قلب أميركا المعتدة بنفسها أسلوب البيوهاوس ذاته، والذي سوف نتحدث عنه بعد سطور، إنما ممتزجاً ببعض لمسات من الأسلوب الفني/ العمراني الهولندي المعروف في ذلك الحين باسم «در ستايل». لقد استخدم غروبيوس، وماير أكسسوارياً، أحدث ما كان قد توصل إليه استخدام المواد المصنّعة حديثاً، والتفاصيل العمرانية المرتبطة بالأشكال القائمة على الزوايا والنوافذ الأفقية والتفاوت بين الطبقات، إضافة إلى الاستخدام الأمثل، والذي كان يفترض به أن يكون تجديدياً في العمران الأميركي في ذلك الحين لتوزيع الإضاءة، عبر الحرص على وسع المساحات الداخلية للمكاتب وتعريضها للضوء الآتي من الخارج بدلاً من الاعتماد على الإنارة الكهربائية وغير الكهربائية الداخلية. والحقيقة أن غروبيوس مارس كل حريته في تصميمه ذلك المشروع انطلاقاً من أن إدارة الصحيفة لم تضع أي شروط مسبقة. كل ما أعلنته يومذاك كان أن المطلوب بناء أعلى برج في شيكاغو كي يمكن مشاهدة مبنى الصحيفة من أي نقطة في المدينة، موردة بعض التفاصيل حول التقنيات الصحافية والضرورات المهنية.

> اليوم، لا بد من الاعتراف بأن المبنى الذي صممه غروبيوس ما كان له أن يلقى قبولاً، أولاً لطليعيته ومن بعد ذلك بسبب ابتعاد شكله الخارجي من المناخ العام للعمران المديني في تلك المدينة الأميركية العريقة والمشهورة في ذلك الحين بتفوق عمرانها على ما يوازيه في أي مدينة أخرى مع استثناء نيويورك التي كانت شيكاغو تتطلع إلى مضاهاتها. وفي مقابل ذلك، لا بد من الاعتراف أيضاً بأن اللجنة التي اتخذت القرار في نهاية الأمر، كانت وربما عن غير قصد، تقرر ما هو أصوب حين اختارت مشروع البرج الذي صممه رايموند هود. وليس هذا فقط لأن هذا المشروع أتى أكثر تلاؤماً مع عمران المدينة، بل لأنه كان واحداً من آخر المباني التي تمزج في المدن الأميركية الكبرى بين نوع تجديدي من الباروك وشيء من الروكوكو في الزينة. في شيء من الاختصار، لا بد من أن نقول أن هذا المشروع الأميركي الخالص كان مغرياً، لا سيما على المدى الطويل: ففي الوقت الذي بات مشروع غروبيوس «البوهاوسي» إلى أقصى الحدود يبدو اليوم عادياً إلا في ضخامة الحجم المعطى فيه للتفاصيل الطليعية التي احتاجت دائماً إلى مقاسات عمرانية أصغر حجماً كي تظهر في أفضل تجلياتها، ها هو برج هود يبدو اليوم في أبهى مظهر ممكن كأنه قطعة كبيرة من الدانتيلا. يبدو أنه شاهد أخير على عصور رائعة من الهندسة العمرانية التي لم يعد لها وجود محسوس ولافت من بعده. بهذا تكون لجنة الشيكاغو تربيون قد ساعدت على تخليد زمن عمراني كبير بنصب هائل شهد على نهايته بدلاً من فتح الباب أمام حداثة ستحل محله عما قريب فاتحة الباب أمام تجديد قد يكون عملياً، لكنه ما كان من شأنه أن يبعث الرضا في نفوس أصحاب الأذواق الفنية المرهفة.

> والحقيقة أننا، إذ نقول هذا هنا، لا نحاول بالطبع الانتقاص من فن غروبيوس أو إنجازات المدرسة التي أسسها في ألمانيا. فمن ناحية مبدئية ليس «البوهاوس» سوى جامعة لدراسة المعمار والفنون التشكيلية. وهو بهذه الصفة يكاد يكون شبيهاً بعشرات الأماكن في طول أوروبا وعرضها. غير أن هذه الصورة لـ «البوهاوس» ليست سوى نتيجة للوقوف، في النظر إليه، عند سطح الأمور لا أكثر. فهذه المؤسسة الفنية كانت في ذلك الحين فريدة من نوعها، وتجلت عند تأسيسها كمكان يخفي خلف هندسته المعمارية روحاً حية لعبت دوراً كبيراً في بعث الفن الألماني، وبالتالي في مقاومة كل صنوف التعصب والجمود. وهذه الأخيرة لئن انتصرت في ألمانيا، بفعل انتصار النازيين بعد ذلك، فإنها لم تتمكن أبداً من دحر روح التقدم والنزعة الإنسانية التي مثلها «البوهاوس»، ذلك الصرح الذي ارتبط اسمه باسم التيارات الفنية الحديثة وبالنهضة الفنية الكبرى التي عرفها العالم الغربي في ذلك الحين.

> جامعة «البوهاوس» التي تأسست في جمهورية فايمار بألمانيا ربيع 1919، ثم انتقلت إلى ديساو، بعد انهيار فايمار، اعتباراً من 1923، حملت منذ البداية روح وعقلية الفنان الأماني والتر غروبيوس الذي صمم مبنى «البوهاوس»، معطياً إياه اسمه ولم ينفصلا أبداً بعد ذلك، وهذا ما جعل غروبيوس الأب الروحي للنهضة الفنية الكبرى، وإلى حد كبير أيضاً للنهضة السينمائية الألمانية التعبيرية التي لعبت هندسة الديكورات فيها دوراً أساسياً («عيادة الدكتور كاليغاري» و «متروبوليس» على سبيل المثل). والحال أن غروبيوس كان، منذ لحظة تأسيس «البوهاوس» قد أصدر بياناً مهماً، اعتبر يومذاك بياناً تأسيسياً، صاغ فيه مبدأ وحدة الفنون، معلناً أن المعرفة والمهارة العملية هما عنصران أساسيان لا ينفصلان عن أي نشاط فني مهما كان سموه الروحي.

> ولعل في هذه النقطة الأساسية، تكمن واحدة من مآثر غروبيوس الكبرى، المآثر التي جعلته لا يعتبر مجرد واحد من أكبر معماريي القرن العشرين، بل كذلك واحداً من أكبر منظري الفنون البصرية، من معمارية وغير معمارية. ومع هذا فإن المبدأ الأساسي للعمل في «البوهاوس» لم يكن قائماً، فقط، على إعادة اكتشاف الوحدة بين العمل الفني والعمل الحرفي كما عبر عنها غروبيوس، بل كذلك على دعوة - وممارسة - هذا الأخير لنزعة توسيع آفاق العملين من طريق استخدام التقنيات وضروب التطور العلمي كافة التي يتيحها لنا العصر. باختصار كان غروبيوس، في «البوهاوس» وعبره، يدعو إلى دخول الفن في القرن العشرين واستفادته من كل إمكانات هذا القرن. ولئن كان غروبيوس قد جعل من «البوهاوس» بهندسته، كما بروحه، مكاناً «مستقبلياً»، تلتقي فيه الهندسة المعمارية بالفن التشكيلي بالنحت في بوتقة متناسقة واحدة، فإن عينه كانت في الوقت ذاته على السينما والمسرح والموسيقى، والكثير من الفنون الأقل «أهمية» في عرف الفن الرسمي، من الملصق إلى الديكور الداخلي وتصميم الأثاث.

> من هنا، حين رحل والتر غروبيوس عن عالمنا عام 1969، اعتبر رحيله خسارة كبيرة لفنون القرن العشرين، ولذاكرة تلك الفنون، على الرغم من أنه كان في ذلك الحين يقترب حثيثاً من عامه التسعين وكان قد كف عن أن يكون أكثر من مجرد ذكرى.

> ولد والتر غروبيوس في 1883 وتلقى علومه في ميونيخ، حيث أسس في 1918 «محترف فنون» كان الأساس الأول لمشروع «البوهاوس» الذي أسسه في العام التالي، بعد أن عُيّن مديراً لمدرسة الفن التطبيقي في فايمار. وعبر «البوهاوس»، كما أشرنا، مارس غروبيوس تأثيراً صارخاً في الفنون في أنحاء عدة من البلاد. غير أن غروبيوس، ومع الإشارات المبكرة إلى صعود النازية، اضطر للرحيل إلى الولايات المتحدة في 1928، حيث أسس مدرسة هارفارد المعمارية. وهو منذ ذلك الحين عاش أغلب سنوات حياته في أميركا، حيث حقق الكثير من المآثر المعمارية ووضع الكثير من الكتب، وظل له مكانه المبجل في عالم فنون القرن العشرين على الدوام. حتى وإن عجز قبل ذلك بنصف دزينة من السنين عن إقناع صحيفة شيكاغو الكبرى.