ماذا يعني تثبيت كافانو قاضياً في المحكمة الأميركية العليا؟

حسن منيمنة |

«أمي الحبيبة، لقد اجتهدت ودرست ونلت أفضل الشهادات. أمي الحبيبة، لقد حصلت على وظيفة ممتازة في إحدى الشركات الكبرى. ولكن يا أمي، فصلت من وظيفتي وطردت لأنني تعرّضت لاتهامات لا أساس لها من امرأة لا أعرفها. ماذا أفعل يا أمي؟»: عبر هذا الكلام المسرحي البكائي العاطفي، اختصر دونالد ترامب مصاب الرجل الضحية في الولايات المتحدة، مستلهماً الوقائع المختارة من سيرة مرشحه للمنصب الشاغر في المحكمة الدستورية العليا، جاعلاً من مسألته قضية إنسانية تستحق الصدارة، وعليها تبنى التعبئة للانتخابات النصفية المقبلة.


قصة بريت كافانو، إذ يتبوأ مقعده في المحكمة العليا، لا تشبه البتة الاختزال الموظّف الذي يعتنقه ترامب، بل هي، من دون الحاجة إلى الخوض في التفاصيل، أقرب إلى حالة من أفلت من المساءلة الأخلاقية، نتيجة نجاح الفريق المؤيد له، أي الجمهوريين، في التغلّب على محاولات خصومهم الديموقراطيين عرقلة تعيينه.

واستدعاء الديموقراطيين للملف الأخلاقي كان مناورة، من دون شك، انتهت بالفشل، غير أنها أضافت في فشلها نتيجتين سلبيتين إلى جملة المخاطر والمساوئ التي تنتظر الولايات المتحدة في المرحلة المقبلة.

النتيجة الإضافية السلبية الأولى هي أنه، مع عملية تثبيت كافانو في منصبه هذا، أصبح جليّاً أن سيطرة الحزب الجمهوري على الرئاسة ومجلس الشيوخ عصيّة على التحدي، وأن التعويل على بعض أعضاء هذا المجلس من الجمهوريين المترددين لا ينفع. أي أن تجربة كافانو تطلق العنان للمزيد من الزخم في التبديل الواسع النطاق والجاري للتوّ للتوجه الفكري والعقائدي للسلطة القضائية في الولايات المتحدة، من المحكمة العليا نزولاً. فإذا لم يتمكن الديموقراطيون من الحصول على أي نتيجة على رغم قباحة السلوك المنسوب إلى كافانو، والمدعوم بالقرائن، وعلى رغم الأداء الهزيل للرجل خلال شهادته، بما في ذلك ليّه للحقائق بما يصل إلى مستوى التزوير، من دون عواقب، فلا رجاء لهم بأن تلقى اعتراضاتهم في الفصول المقبلة أي اعتبار. وما لم يتمكنوا من الفوز بمجلس الشيوخ في الانتخابات النصفية الشهر المقبل، وهو أمر مستبعد، فإن المؤسسة القضائية في الولايات المتحدة سوف تنحاز إلى المنطق المحافظ وسوف تبقى عليه لجيل كامل.

أما النتيجة السلبية الإضافية الثانية فهي أنه، في إطار استعمال كافة الذخائر المتوفرة، استدعى الديموقراطيون مسائل التحرش الجنسي والاستهتار والاحتقار مما تعاني منه النساء في الولايات المتحدة، على أمل أن يرغم الوعي المستجد إزاء هذه المسائل في المرحلة الماضية، في إطار حركة «مي تو (أنا أيضاً)»، خصومهم إلى التخلي عن ترشيح كافانو. ذلك لم يحصل، ما تحقق بدلاً عنه هو أن الحزب الجمهوري أظهر أنه قادر على الاستمرار في الاستهتار بشكاوى النساء، وصولاً إلى أن يستهزئ رئيس الولايات المتحدة، وهو المنصب الذي كان يفترض، قبل سيده الحالي، أن يكون القدوة الأدبية في البلاد، بالسيدة التي جاءت مترددة إلى مجلس الشيوخ، بعد أن تمّ تسريب شكواها السرية، لتقدم شهادة متزنة حاولت خلالها التعالي على الأذى. المعيب يتكرر يومياً في الولايات المتحدة في ظل هذه الرئاسة، ولكنه فصل آخر من فصول الغوص إلى قعر أخلاقي لم يتبين بعد أقصى عمقه، وهو أن يعمد صاحب أقوى منصب في العالم إلى إضحاك الجمهور على حساب امرأة قالت في شهادتها أن أكثر ما أذاها هو ضحك كافانو على حالها، إذ كان يعتدي عليها مع صاحبه. بل وصل هذا الرئيس في عرضه المسرحي إلى إهمال حقيقة أن الغالبية الساحقة، بما يتجاوز التسعة أعشار بأقدار، من قضايا الاعتداء الجنسي، على ندرة الأدلة للطبيعة المنغلقة للجريمة، تحسم قضائياً بالإقرار بشكاوى النساء، فيما النادر جداً وحسب، هو ما يُهمل لصالح الرجال نظراً إلى غياب الأدلة والقرائن. فالذي تفلّت من المساءلة بفعل المناورات السياسية، خلافاً لهذا التوظيف السياسي المبتذل، ليس الضحية هنا.

لكن تثبيت كافانو، والذي أكّد في شهادته الدفاعية أمام مجلس الشيوخ أنه بريء بالمطلق، وأن المسألة وحسب مؤامرة من الديموقراطيين لاعتراض تعيينه، يضع في المحكمة العليا قاضيا محازبا صراحة. ميول القضاة الفكرية، بين التوجهين المحافظ والتقدمي، أمر مفهوم، وقدوم كافانو إذ يمنح المحافظين في المحكمة أفضلية خمسة مقابل أربعة أمر متوقع. لكن الرجل يأتي اليوم بزخم غير مسبوق، ويمكن بالتالي توقع كامل اصطفافه مع أقصى المحافظة، في حين أنه غالباً ما يظهر لدى سائر قضاة المحكمة قدر من المراعاة لكل حالة على حدة.

من شأن المحكمة العليا بتشكيلتها الجديدة، والتي قد تبقى تحت الهمينة المحافظة على المدى المنظور، أن تبدّل طابع الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في الولايات المتحدة بشكل عميق. فالجمهوريون على المستوى الاتحادي يسيطرون للتوّ على الرئاسة ومجلس الشيوخ ومجلس النواب والمحكمة العليا، ولكنهم كذلك يتحكمون بأكثر من ثلثي المجالس التمثيلية في كافة الولايات، وبثلثي حاكميات الولايات. والاتهام الذي يواجهه الحزب الجمهوري، والذي لا يتعدى المسجلون انتخابياً في عداده ربع مجموع الناخبين، هو أنه يستغل المال السياسي للسيطرة على مجالس الولايات ثم يوظّف هذه المجالس، وفق صلاحيتها الدستورية، لرسم الدوائر الانتخابية الاتحادية بما يضمن أوسع فوز لمرشحيه، على حساب الأكثريات العددية، مؤسساً ومكرّساً بالتالي حكم أقلية نافذة. للجمهوريين بالطبع حجج مضادة، ولكن في أي حال فإن استثمار النظام الانتخابي بما يحقق الغلبة لهم أصبح موضوع مقاضاة يصل في النهاية إلى المحكمة العليا. ويبدو اليوم، مع تثبيت كافانو أنه قد يتوقف عندها.

مسائل أخرى يظهر جلياً أن هذه المحكمة من شأنها البت بها لصالح المحافظين، فلا أمل في المرحلة المقبلة بدعم قوانين الحد من انتشار السلاح، بل التوجه المرتقب هو نحو تمييع الحق بالإجهاض، من خلال تفويض إقراره للولايات، وكذلك تطويق الحق بالزواج للمثليين، إما بالمطلق، أو عبر نقل مماثل إلى مستوى الولايات. أما المسألة الأكثر إثارة للانتباه، فقد تكون موضوع حصانة الرئيس من المقاضاة، بما يعفي ترامب من الملاحقات، وكافانو كان قد كتب مؤكداً هذا الحق ومتوسّعاً فيه. بل اختياره للمحكمة العليا قد يكون نتيجة رأيه هذا. وعليه فإن في تثبيته نصراً مركّباً لترامب، الذي أرضى المحافظين وازداد اطمئناناً لمستقبله، وإن على حساب كرامات البعض... على أمل أن تعود لهذه البلاد يوماً ما كرامتها المضيّعة.

الأكثر قراءة في الرأي