ستسيل الدماء الفلسطينية والإسرائيلية إن لم تتحرك واشنطن

جايك والاس |

في أيلول (سبتمبر) الماضي، أطلق رئيس أركان الجيش الإسرائيلي غادي آيزنكوت تحذيراً لم يحظَ باهتمام كبير، مفاده أن احتمالات وقوع أعمال عنف في الضفة الغربية مرتفعة للغاية. لكنْ حريٌّ بالمسؤولين الإسرائيليين والأميركيين تدارك الأمر، لأن هذا التحذير له صدقية.


صحيح أن الخطر لا يكمن في أن قيادة السلطة الفلسطينية ستسعى إلى خوض مواجهة مع إسرائيل، فمعظم المؤشرات تظهر عكس ذلك. إلا أن أعمال العنف قد تندلع نتيجةً لليأس المستشري في صفوف الفلسطينيين، والضغوط المتنامية التي تمارسها إدارة ترامب، في ظل غياب أي خيار معقول للتوصّل إلى حلّ سلمي للصراع مع إسرائيل. فكما أن الانتفاضة الأولى اندلعت بشكلٍ عفوي، قد ينفجر الوضع في أي وقت على أيدي سكّان يشعرون بأن ليس لديهم الكثير ليخسروه.

ووفقاً لتقارير صحافية إسرائيلية عدة، حذّر آيزنكوت وزارة الأمن الإسرائيلية من أن احتمالات أن تشهد الضفة الغربية اندلاع أعمال عنف فلسطينية تتراوح بين «60 و80 في المئة». وذُكِر أنه عزا هذا الخطر المتصاعد إلى عوامل عدة هي: الإجراءات الأميركية ضد الفلسطينيين، بما في ذلك قطع المساعدات، وفقدان الدعم العربي للفلسطينيين، وفشل جهود المصالحة بين فتح وحماس، والتصوّر السائد في صفوف الفلسطينيين بأن الأجهزة الأمنية الفلسطينية في الضفة الغربية تساعد إسرائيل، واللايقين حيال بقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس البالغ من العمر 83 عاماً، في سُدة الحكم.

كان لافتاً على وجه الخصوص أن آيزنكوت شدّد على الضغوط الأميركية باعتبارها عاملاً محتملاً لزعزعة الاستقرار. فقد كانت هذه الضغوط جزءاً لايتجزّأ من المقاربة التي تنتهجها إدارة ترامب حيال الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، إذ بدأت الإجراءات المناوئة للفلسطينيين مع القرار الذي صدر في أواخر العام 2017 وقضى بالاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل، ونقل السفارة الأميركية إلى هناك، ما أحدث قطيعة مع السياسة الأميركية التي كانت سائدة في العقود السابقة. تلا ذلك قطع المساعدات الاقتصادية عن السلطة الفلسطينية وأيضاً المساعدات الإنسانية عن المستشفيات الخاصة غير المرتبطة بالسلطة الفلسطينية في القدس الشرقية، وعن البرامج المجتمعية التي ترمي إلى تعزيز التواصل بين المواطنين الإسرائيليين والفلسطينيين. كذلك، قطعت الإدارة الأميركية تمويلها لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) المعنية بتوفير الرعاية الصحية والتعليم والخدمات الاجتماعية لهم.

ومؤخراً، قرّرت الولايات المتحدة إغلاق البعثة الديبلوماسية لمنظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن العاصمة. وقد أشارت تقارير صحافية إسرائيلية إلى أن القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الإسرائيلية حذّرت الحكومة الإسرائيلية من أن القطع السريع للمساعدات الأميركية الممنوحة للفلسطينيين والأونروا قد يؤدّي إلى زعزعة الاستقرار، إلا أن رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو تجاهل هذه التحذيرات مُعرباً عن دعمه لقرارات الرئيس دونالد ترامب.

ربما يكون تحذير آيزنكوت نابعاً من تذكّر الأحداث التي أشعلت فتيل الانتفاضة الفلسطينية الأولى في العام 1987، وهي فترة أخرى أخذت فيها جهود السلام مجراها الطبيعي وكان تركيز العالم العربي فيها منصبّاً على أمور أخرى. فعام 1982، كان الفشل مصير المحادثات بين الأطراف الأميركي والإسرائيلي والمصري حول الحكم الذاتي في الضفة الغربية وغزة، التي شكلّت جزءاً من اتفاقات كامب ديفيد. وفي منتصف عام 1987، تمّ إحراز تقدّم ملحوظ بين وزير الخارجية الإسرائيلي شمعون بيريز والملك حسين في الأردن حول ما يسمى «الخيار الأردني»، بفضل مبادرة رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إسحق شامير. وحين انعقدت قمة جامعة الدول العربية في عمّان في تشرين الثاني (نوفمبر) 1987، كان القادة العرب منشغلين بالحرب الإيرانية – العراقية، ولم يعيروا اهتماماً يُذكر للمخاوف الفلسطينية. وفي كانون الأول (ديسمبر) 1987، وبينما تضاءل الأمل في التوصّل إلى حلّ للنزاع وانحسر الدعم المقدّم من العالم العربي، اندلعت الانتفاضة بصورة عفوية في مخيم جباليا للاجئين في غزة، قبل أن تنتشر كالنار في الهشيم في جميع أنحاء الأراضي المحتلة.

نادراً ما يكرّر التاريخ نفسه. كما أن وضع الجيش الإسرائيلي اليوم أفضل مما كان عليه عام 1987، ما يمكّنه من التعامل مع أي أعمال عنف جديدة. فهو لم يعد منتشراً داخل المراكز السكانية الفلسطينية الرئيسة، ويمكن لقوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية السيطرة على الاحتجاجات المحدودة بمفردها. ومع ذلك، فالتوغلات المتكررة للقوات الإسرائيلية في المناطق الخاضعة للسيطرة الفلسطينية، وتنقّل الكثير من المستوطنين بصورة يومية داخل الضفة الغربية، تُوفّر نقاط احتكاك وأهداف محتملة للهجمات. كما أن من المحتمل أن تتحوّل المواجهة على طول حدود غزة إلى نزاع بشع بين إسرائيل وحماس، ويمكن أن يطلق شرارة اشتباكات في الضفة الغربية.

في مثل هذه البيئة المضطربة، تسعى إدارة ترامب إلى عرض خطة السلام الخاصة بها، التي يطلق عليها «صفقة القرن». وفي حين لا تزال تفاصيل هذه الخطة وموعد الإعلان عنها غير واضحة، تشير التصريحات الأخيرة التي أدلى بها ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى أن نهجه المفضل هو نموذج الدولتين، لكنه سيتعامل مع الكثير من الملفات الرئيسة الأخرى - كالقدس واللاجئين والأمن - بطريقة تصبّ في مصلحة إسرائيل.

وبينما سيكون رد الفعل الفلسطيني على مثل هذه الخطة من دون شكّ سلبياً، يعارض عباس باستمرار أعمال العنف، ويحافظ على التنسيق الأمني مع الإسرائيليين، علماً بأنه مستمر في ذلك حتى بعد الخطوات التي اتّخذتها إدارة ترامب. لكن غضب الفلسطينيين ويأسهم، يمكن أن يؤديا إلى انفجار الوضع، بغض النظر عن تفضيلات عباس وجهود قواته الأمنية.

هذا الواقع يجب ألا يغيب عن ذهن إدارة ترامب، لا بل يتعيّن عليها تجنُّب الخطوات التي تزيد الطين بلّة. وقد تكون الخطوات الأميركية سيئة التخطيط ومؤذية ليس فقط للفلسطينيين بل لإسرائيل أيضاً. ولذا فإذا رغبت الإدارة حقاً في تعزيز فرص إحلال السلام، يتوجب عليها إعادة النظر في نهجها العدائي تجاه الفلسطينيين، واستحداث خطة تأخذ بعين الاعتبار المصالح الحيوية لكلا الطرفين.

ينشر بالاتفاق مع موقع «ديوان» التابع لمركز كارنيغي للشرق الأوسط

الأكثر قراءة في الرأي