أمهات يابانيات يشغلن وظيفتين بدوام كامل

أم يابانية و«محاربة» في وظيفتها (أبارنتينغ، سافي طوكيو)
طوكيو – «ذا ويك» - |

العمل طوال اليوم في اليابان يمكن أن يعني شيئاً مختلفاً عنه في أماكن أخرى، مثل الولايات المتحدة. إنها شهادة كومي ماتسوموتو كما نقلتها عنها مجلة «ذا ويك». فهذه السيدة تعاني من مشكلة العمل بدوام كامل.


تقول ماتسوموتو: «في اليابان، أعتقد أن العمل بدوام كامل يعني العمل 24 ساعة، أي أنك محارب 100 في المئة».

تعمل ماتسوموتو في وزارة الشؤون الخارجية في طوكيو. لكن لديها أيضاً وظيفة أخرى بدوام كامل، فالأمر يتعلّق بطفليها الصغيرين.

إنها «محاربة في وظيفتي وأماً في آن واحد» على حدّ تعبيرها. ويمثّل ذلك «تحدياً ومشكلة صعبة للغاية».

في اليابان، تُعد ساعات العمل الطويلة قضية رئيسة بالنسبة للنساء والرجال. إنه البلد الذي تنشر الأخبار عن حوادث «الكاروشي»، أو «الموت جراء الإرهاق»، في شكل منتظم.

في حين من المتوقع أن تقوم النساء بمعظم أعمال رعاية الأطفال. وفي إجازة أمومة طفلها الثاني، تقول ماتسوموتو، إن الأمر «مرهق بالنسبة لأم تعمل». ومن الطبيعي جداً أن تبقى السيدة اليابانية مستيقظة حتى منتصف الليل، بسبب رضيعها، وأحياناً عليها السهر إلى صباح اليوم التالي.

في المقابل، تقول ماتسوموتو (43 سنة)، إنها تستطيع أن تجمع بين رعاية طفليها وعملها، لأن زوجها وأهله يقدّمون يد المساعدة، لكن هذا النوع من الدعم قد يكون نادراً. وحتى مع المساعدة، قد يكون من الصعب التحكّم في الوضع، خصوصاً مع طفلين.

وعندما يضطر أعضاء البرلمان في اليابان للإجابة على أسئلة المواطنين، الأمر الذي يحدث كثيراً، فهم غالباً ما يقدّمون هذه الأسئلة في وقت مبكر. وجزء من مهمة ماتسوموتو هو تدوين الإجابات، لكن في معظم الوقت تقول إنها وزملاءها لا يعرفون أي فريق سيتولّى المهمة، لذلك عليهم جميعاً الإنتظار «ليس فقط تلك الأقسام التي تتلقى الأسئلة»، كما تقول، بل «الأقسام الأخرى التي تعمل ساعات أطول في انتظار هذا السؤال. إنه غباء. وربما الشيء الأكثر غباء الذي يحدث في اليابان، كما أعتقد، لكن هذا ما كان يحدث منذ عقود»، لكن الأمور بدأت تتغيّر ببطء.

الإدارة أو الأمومة

ضغط رئيس الوزراء الياباني، شينزو آبي، من أجل تبنّي السياسات الرامية إلى النهوض بالمرأة. فقط 3.7 في المئة من المديرين التنفيذيين في الشركات اليابانية الرائدة هم من النساء، والهدف هو الوصول إلى 30 في المئة من المناصب القيادية في مختلف المجالات بحلول عام 2020. وفي ذلك يفيد مكتب المساواة بين الجنسين الذي ينشر تقريراً سنوياً عن الموضوع، إن هناك تقدّماً. وطوال سنوات، عاد حوالى 40 في المئة من النساء إلى العمل بعد ولادة طفلهن الأول، والآن، إرتفع هذا الرقم إلى 53 في المئة. يبدو تقرير هذا العام لامعاً، لكن الصفحة 29 منه تتضمن توصية بضرورة «معالجة ساعات العمل الطويلة».مطلوب الآن من الشركات والهيئات الحكومية التي تضم أكثر من 300 موظف وضع «خطة عمل» لزيادة مشاركة المرأة في العمل، وتقليص تلك الساعات الطويلة. وتقول ماتسوموتو إن لدى الوزارة التي تعمل فيها سياسة جديدة، إذ أصبح من غير المرجّح أن يضطر الموظف إلى العمل حتى ساعة متأخرة، ويمكنه العودة إلى المنزل، طالما أنه يتحقق من أي جديد على هاتفه الذكي. لكن ماتسوموتو توضح أن عدداً من زملائها لم يستفد من السياسة الجديدة.

في اليابان، يطلب أصحاب عمل كثر من موظفيهم أن يختاروا بين مسارين مهنيين، الإدارة أو الأمومة، وهو خيار يحمل مسؤولية أقل، لكنه احتمالات أقل للتطور الوظيفي. وتعتبر ماتسوموتو «أن الأمر شاق أن يختار المرء بين الطريق السهلة أو الصعبة من أجل تغيير المجتمع». وتوضح أن الطريق السهلة ستكون «مسار الأم»، وتتابع: «أتذكّر منذ نحو 10 أعوام، عندما كنت أعمل في طوكيو، لم يكن هناك سوى أم واحدة في الفريق بأكمله، وكانت دائماً تقول: أنا آسفة، يجب أن أذهب إلى المنزل». وكان من المحزن جداً رؤية هذا النوع من الأشياء. ومع وجود مزيد من الأمهات العاملات الآن، إلا أنهن يعتذرن في شكل أقل. وبينما يمثل هذا الجو تغيّراً كبيراً، يبدو أنه «غير كافٍ».

تبقى ماتسوموتو أحياناً في المكتب حتى الثامنة مساء، ولكن يجب أن تغادر في وقت مبكر دوماً. وفي حالات كهذه تضطر لتوجيه رسالة عبر البريد الإلكتروني إلى زملائها في القسم، مفادها أنه «يتعيّن عليّ العودة إلى المنزل. يجب أن أترك المكتب بحلول الخامسة والنصف لاصطحب أطفالي»، متابعة «أنا أخبر الجميع بأنني مضطرة للذهاب». قد يكون من الصعب المغادرة باكراً، تقول الأم العاملة، عندما يكون الجميع في مكاتبهم حتى وقت متأخر «إنه مجرّد وعي جماعي. أعتقد أنه عندما يعمل الجميع بجد، فإن الأمر يتطلّب شجاعة للعودة إلى المنزل باكراً. لكنني من النوع الذي يتحدّث بصوت عالٍ، لدرجة أنني أستطيع إخبار كل شخص بأنه يجب أن أذهب إلى البيت، في حين أن أمهات عاملات كثيرات لا يتمتعن بهذه الجرأة».

وتعترف ماتسوموتو بأن هذه حالة غير عادية، لكن نظراً للساعات الطويلة التي يتوقع أن يعمل الموظفون اليابانيون خلالها، يتعيّن على الأمهات العاملات طلب المساعدة. والأمر يتعلّق باللواتي في معظم الوظائف الخاصة والحكومية، وتجزم في هذه الصدد: «أعلم أنه لم يكن في وسع كثيرات فعل ذلك وإستقلن للتو».

من جهتها، تقول ميتسوكي هوريوتشي، من منتدى «كيتاكيوشو» للنساء الآسيويات، وهي منظمة غير حكومية تركّز على النهوض بالمرأة، إن مشكلات اليابان «متشابكة».

وإلى أن تصبح الأمور أسهل للنساء، في مكان العمل، ستستمر كثيرات منهن في عدم الإنجاب. ومن دون مزيد من الأطفال، فإن قوة العمل اليابانية ستستمر في الإنكماش. لذا «علينا تغيير أمرين» وفق هوريوتشي، «أسلوب العمل، ومنح الناس عطلات وجعلهم يستمتعون بحياة العائلة».

إذا لم يكن الأمر كذلك، تقول الناشطة، فإن البلاد ستواجه مزيداً من المشكلات، لأنه في الوقت الذي تتقلّص فيه القوة العاملة، فإن جزءاً من سكان اليابان ينمو، وهنا الأمر يتعلّق بكبار السن. وتوضح: «السؤال ليس مجرّد رعاية الأطفال فحسب، بل رعاية الشيخوخة».

بدأت اليابان تنفد من عمال رعاية سكانها المسنين، وهذا يعني أن المشكلات التي تواجه الأمهات العاملات تؤثر في شكل متزايد في الجميع. وتقول هوريوتشي إن الحكومة تبذل جهداً لمعالجة الاختلالات، مثل قانون جديد صدر في أيار (مايو) الماضي، يدعو إلى حصول الأحزاب السياسية على أعداد متساوية من المرشّحين من الجنسين. لكن القانون ليس له سلطة، فوفق هوريوتشي «القانون هو للتشجيع فقط، وليس الالتزام بالنسبة للحزب السياسي».

تحوّل إيجابي

شهدت اليابان تحولاً ملحوظاً، إذ بدأت الشركات في تعزيز الإصلاحات العمالية التي تشّجع النساء على الارتقاء إلى أدوار قيادية. ولم يؤدِ ذلك فقط إلى إيجاد مكان عمل أكثر دعماً وتفهماً، بل أفضى إلى اتجاه جديد يغادر فيه الموظفون باكراً، وهو أمر لم يكن معهوداً.

ونظراً للتحديات الديموغرافية التي تسبب أزمة في القوى العاملة، تحاول شركات ومؤسسات توفير ظروف مرنة، للسماح للأمهات الجديدات بالعودة إلى وظائف بدوام كامل، مع الحفاظ على توازن عمل الأسرة. ويشعر مزيد من اليابانيات بالقلق والخوف إزاء ركود حياتهن المهنية أثناء وجودهن في إجازة الأمومة. وتعلّق مايكو سايتو، التي عادت من إجازة الأمومة في نيسان (أبريل) الماضي للعمل بدوام كامل في شركة للتأمين على الحياة: «العمل بدوام كامل أسهل مما توقعت».

ويعود الفضل إلى زوجها، شينجي، الذي يعمل في الشركة عينها، إذ شجعها على العودة إلى العمل بدوام كامل، وذلك لأن «زوجتي من نوع العامل المتحمّس، وبمجرّد عودتها كنت أريدها أن تكون سعيدة بما تفعله»، كما أن راتب زوجته هو أيضاً مرحب به. وقد تحسّنت الظروف بالنسبة لأمهات موظفات، فلم تعد مايكو تعمل ساعات طويلة إضافية. وتحصل الآن على الراتب ذاته في وقت أقصر. ويوضح شينجي، الذي كان يميل إلى حمل عبء ثقيل في العمل، أن الأمور إختلفت وكذلك الذهنية وأصبح أكثر ميلاً إلى تفويض موظفيه للقيام بمهام مختلفة. وفي أيام العطلة، يخصص شينجي بعض الوقت لمزاولة هواياته في الصباح، بينما يترك وقتاً كافياً لتمضيته مع عائلته.

أم يابانية و«محاربة» في وظيفتها (أبارنتينغ، سافي طوكيو)