في قطاع غزة... يحاربون الأميّة

توفّر برامج محو الأمية خدمات نوعية ذات بعد تنموي (زاير نيوز)
غزة – تغريد عطاالله |

لم تعد الأمية تقتصر على أُميّة القراءة والكتابة، بل تعدتها إلى أمية التفكير. فإذا كان المرء جزءاً من التفكير الجمعي، فهو أُمّي بحت، لأنّه لا يُضيف شيئاً جديداً. وهنا تعدّ أمية التفكير أخطر من أمية القراءة والكتابة، وفق ما يؤكّده الناقد المجتمعي نخلة حصري، في حين يرى الباحث طلال أبو ركبة أنّ تقدّم العصر جعل الأُمية تنتقل من مفهومها التقليدي إلى الجهل بالتقنيات الحديثة للكمبيوتر.


وسجلت آخر إحصائية صدرت عن مركز الإحصاء المركزي، في اليوم العالمي للأُميّة، انخفاضاً ملموساً في نسبة الأمية، تصل إلى دون 2 في المئة في عموم الأراضي الفلسطينية. تعلّق على هذه النسبة الباحثة هداية شمعون، بقولها أنّ التعليم بالنسبة الى الفلسطيني هو أداة نضال وعمود أساس، وفلسفة مقاومة وجزء من الهوية.

في هذا الإطار، يُعدّ برنامج محو الأميّة وتعليم الكبار، أحد أبرز برامج جمعية الهلال الأحمر في قطاع غزة، ويظهر جلياً في جحم الإنجازات التي حققها منذ إطلاقه قبل 39 عاماً، إذ سعى على رغم المعوقات والصعوبات، إلى تحقيق رسالته السامية المتمثّلة في تقديم خدمات ثقافية وتعليمية نوعية، ذات بعد تنموي للكبار، وفقاً للحاجات المجتمعية، خصوصاً من الفئات المهمشة وذوي الدخل المحدود، وكذلك المساهمة في تعزيز دور المؤسسات الأهلية من أجل التأثير إيجاباً في خلق مجتمع فلسطيني بلا أُمية.

في هذا الصدد، يُشير مدير الدائرة التعليمية والثقافية عماد أبو حطب، إلى نسبة الأمية في تسعينات القرن الـ20 وصلت إلى 14 في المئة، ما يؤكّد فعالية برنامج محو الأمية، مستشهداً بأقوال تدعم ضرورة التعلّم طوال العمر، كقوله «إن كنت متعلّماً علّم غيرك»، «على كل أمي أن يجد له معلّماً يعلّمه»، «ومن لم يتحمّل ذلّ التعليم ساعة، بقي في ذلّ الجهل طول العمر»، وغيره، إذ يهدف برنامج تعليم الكبار إلى إعداد معلمين يملكون المهارات والمعارف اللازمة لأداء دورهم كمعلمين للكبار بكفاءة وفعالية.

في حين يُشار إلى أنّ برنامج تعليم الكبار لا يأخذ في الاعتبار محو الأميّة بمعناه التقليدي للشبّان الذكور (القدرة على القراءة والكتابة)، ويقتصر على الإناث منهم. في هذا السياق، تقف هذه الصعوبات والمعوقات التي تجعل الذكور بعيدين من هذه الفرصة، أمام عدد من الشبّان الغزيين الذين لم يحالفهم الحظ في استكمال دراستهم، وإتمام قدرتهم على القراءة والكتابة. عبد أبو خوصة (34 سنة) أحد أولئك الشبّان الذين أتّموا المرحلة الثانوية، ولديه مهارات حياتية عدة، لكنّه لا يجد متسعاً لتمكينه من القراءة والكتابة، في إحدى المؤسسات التعليمية المهتمة بتعليم الكبار.

هذه النقطة بالذات، يجدها مدير الجمعية الألمانية لتعليم الكبار، مشير مرعي، نقطة يجب البحث في مضمارها، من خلال التشبيك مع المؤسسات المعنية، بحيث تحلّ المسألة وتتاح الفرصة لتلك الفئة المهمّشة، مشيراً إلى دور المؤسسة التي يعمل لديها، في مواجهة الجهل والبطالة، خصوصاً بين الفئات العمرية دون سن الـ25، وإدراكاً منها بأهمية إيجاد حلول فاعلة ومستدامة. فهي تعمل مع شركائها نحو تمكين الأشخاص اقتصادياً واجتماعياً في مجتمعاتهم.

ويعدّ المشروع «مجاورات على قيد الأمل» الذي أطلقته مؤسسة التعاون الدولي التابعة للجمعية الألمانية لتعليم الكبار بالتعاون مع جامعة الأقصى آخر البرامج التدريبية المتطورة في هذا المجال، وهو يحظى بدعم وزارة التنمية والتعاون الاقتصادي الفيديرالية الألمانية BMZ، وبمشاركة مجموعة من الشبان والمخضرمين من مختلف محافظات قطاع غزة. ووفق مرعي بشير مدير برامج غزة في الجمعية الألمانية لتعليم الكبار، فإن «مجاورات على قيد الأمل» يهدف إلى تعزيز الرعاية الذاتية والتفكير الإيجابي وتحسين سبل العافية وتربية الأمل عند الشباب والكبار في الظروف الحرجة، مضيفاً أن المشروع نهج في تعليم الكبار والتعلّم مدى الحياة، حيث يعمل على إيجاد بيئة تعلّمية اجتماعية وإنسانية تجمع بين مجموعة من الأفراد المحمّلين بالتجارب والنجاحات والحكايات، وينغمسون في مجاورتهم بممارسات حياتية وتعايشية مرتبطة بالعافية الجسدية والصحية والروحية والنفسية. في هذا السياق، لفت أيمن أبو عبده أحد الشبّان المشاركين في المشروع، إلى عمق إفادته من التجربة، حيث وجد في الموسيقى متسعاً للترويح والترفيه عن النفس، ملمّحاً إلى رغبته في استمرار هذه الخطوة الحيوية، أو وجود متنفّس آخر يسمح بتبادل التجارب الحياتية بأريحية.