تترك باباً موصداً على متهم بالكتابة

جائزة الشابي
يوسف المحيميد |

لم أفكِّر يوماً بالجوائز الأدبية أثناء الكتابة، كنت أكتب ما أريد، وما أراه، أكتب لأجلي، أجعل شخصياتي الروائية تتساءل عما يحدث في هذا العالم فحسب، عن همومها ومتاعبها ومصائرها الغريبة، محاولاً معها تفسير ما يحدث، رغم أننا نفشل في ذلك مراراً، وربما لو فكرت بالجوائز لحظة الكتابة لهربت هذه الشخصيات من نافذة المكتب، ولم تعد أبداً!

حين أنهيت مراجعة روايتي (الحمام لا يطير في بريدة)، وسلمت مخطوطتها الأخيرة إلى ناشري (المركز الثقافي العربي)، لم أتوقع أن يوافق على نشرها، لما تحمله من حرِّية في كتابة نص روائي قد يبدو متجاوزاً لدى البعض، فضلاً عن أن ترحب به جائزة عربية، لديها من الشروط والمحاذير الكثير؛ لكنني حين قرأت إعلان (جائزة أبو القاسم الشابي) وتخصيص دورتها لعام 2011 للرواية العربية، فكرت في أن الشابي شاعر عربي كبير، ينشد الحرية والحياة، وقد تقبلها لجنة الجائزة كعمل مرشح، وهذا ما حدث، حين استلمت رسالة تفيد باستلام العمل، وإدراجه ضمن الأعمال المقدمة لهذه الجائزة المرموقة.

ومن الطبيعي أن تترك الجوائز أثراً معنويّاً كبيراً على الكاتب، يجعله يشعر - ولو موقتاً - بالاطمئنان على خطواته في الكتابة الأدبية، فأن تلفت الرواية انتباه لجنة التحكيم بين ما يقارب 130 رواية عربية، هو أمر مهم بالنسبة إلي وقتذاك، جعلني أشعر بالتفوق والرضا، وأمتلك بعض اليقين بما أكتب، رغم أنني عدت مجدَّداً إلى قلقي الدائم، ومزاجي الأثير: الكتابة بوصفها فعلاً قائماً على الشك والريبة.


هذا الرضا على الكتابة، وإدراك قيمتها، واليقين بجدواها كفعل يومي، لا يخصّ الكاتب وحده، وإنما محيطه من الأهل والأصدقاء، ممن لا يفهمون السر وراء رجل يدخل مكتبه، ويغلق خلفه الباب، ويدعو الكائنات اللامرئية، كي تجوس في الأنحاء حوله، تتنفس، وتكتب حيواتها الغريبة، ثم تقرر مصائرها الغامضة أيضاً؛ لا يدركون معنى ذلك قبل أن يلمحوا التقدير لما يفعله في عيون الآخرين، قبل أن يشاهدوه يصعد المنصة مستلماً جائزةً أو وساماً، بل يمتد الأمر حتى في محيطه العربي حين ينال جائزة أجنبية، فيلفت الانتباه، ويصبح تقديره أكبر، كما حدث لي في العام ذاته، بحصول الترجمة الإيطالية لروايتي (فخاخ الرائحة) على جائزة الزياتور للأدب العالمي في إيطاليا، فجوائز كهذه تجذب الضوء إلى الكاتب وأعماله الروائية ذاتها، لتحقق له نوعاً من الاعتراف في الداخل أو الخارج، وتحقق لأعماله المزيد من الانتشار، وهذا أمر مهم يطمح له أي كاتب، لأنه يقدم عمله أكثر إلى قراء بعيدين، قد يكتب أحدهم له رسالة بسيطة فيها إشادة وتقدير بعمله، فيتحول بريده الإلكتروني إلى منصة جوائز سرِّية، يصعدها كل صباح، ويقطف مبتسماً جائزةً باسم قارئ حرّ ومستقل، فهذا النوع من الجوائز اليومية يمنح الكاتب مزيداً من الطاقة والسعادة.

ماذا قدمت لي الجوائز على المستويين الإبداعي والاجتماعي؟ ما الذي تركته من أثر؟

سعادة غامرة، أم فرح عابر؟ طموح أكبر بمزيد من الإبداع والتألق، أم شعور بالاكتفاء؟ عبارة فخمة تجلل سيرتي الذاتية، أم بضعة صور وأخبار صحافية بائتة؟ تصفيق حاد من جمهور أم صمت؟ مكتبتي الصغيرة وموتها؟

اعذروني لو قلت لكم أن صدى تصفيقهم يشبه أصوات المعزين قبيل أن يغادروا المقبرة، لا شيء يبقى سوى الصمت والكلمات التي قد تشبه كلمات المواساة. باختصار، لا يبقى للكاتب سوى مؤلفاته، الكتب التي نضد حروفها، حرفاً حرفاً، الكلمات والعبارات المتعثرة، الظهيرة وخمسة أكواب من القهوة ارتشفها من أجل جملة واحدة، الموسيقى التي تنساب على أرفف المكتبة كي تسوق الكلمات كالقطيع، النافذة التي تسكب ضوء النهار، والباب الموصد على متهم بالكتابة!

ما الذي يبقى من ليل حفل، أي حفل، سوى طاولات وبقايا ضحكات ضيوف غادروا؟ ما الذي يبقى سوى الصباح بجلاله وهدأته، هو إذاً الأثر الذي تتركه فيَّ الجوائز: الصباح، بداية يوم جديدة تحفزني للجلوس على كرسييّ الهزاز في مكتبتي الفوضوية، والسير مجدَّداً نحو الكتابة عن حلم مؤجل.