نارنجة بنت عامر تستظل بجائزة السلطان قابوس

جائزة السلطان قابوس
جوخة الحارثي |

كنتُ في منتصف عشريناتي طالبة مغتربة، أدرس الدكتوراه بلغة غير التي أعشق، وأماً لطفلة تعاني الوحدة، لكن الكتابة أنقذتني.


أمشي غريبةَ الوجه واليد واللسان، أرى آلافَ الحكايا تمشي معي وأدعوها لنجلس معاً ونشرب كوب قهوة في الصقيع، شربت الحكاياتُ عشرات الأكواب ونادمتُها، آلاف الحكايا، لا تبدأ الحكاية حتى تنتهي، ولا تنتهي حتى تدخل في حكاية جديدة، قالت لي الحكايا: هِمنا طويلاً كأشباح في هذه المدينة، وقد تنادمنا طويلاً، اكتبيني. فكتبتُ روايتي «سيدات القمر».

أضواء الكريسمس تلوح من النافذة والثلج يغطي إفريزها وأنا أستحضر بخيالي الصحراء وأرواح أجدادي الشهداء، الناس يهرولون بالمعاطف وأنا أُلبِس الطفل أحمد الراكب على كرب نخلة الدشداشة الخفيفة والحروز الحارسة من سطوة الموت، جارتي تدعوني إلى شاي العصر في بيتها الفاتح اللون وأنا أغوص في غرفة خالتي بصبغها القاتم وروازنها المليئة بالأواني الأثرية، الراديو يبث الموسيقى الاسكتلندية الشعبية وأنا أترنم بالأمثال مع ظريفة، وأردد الأهازيج مع عبدالله ومنين. تصالحتُ مع غربتي، أحببتُ أدنبرة حين أعطيتها لغتها في الدكتوراه ومنحتني لغتي في الرواية، وأحببتُ شخوصي، بكيتُ لآلامهم وضحكتُ لمزاحهم.

كتبتُ فحررتني لغتي، لغتي أعطتني ساقين فركضتُ، الكتابة أعطتني جناحين فطرتُ. اكتملت الرواية بعد خمس سنين فنشرتها.

ثم انقضت ثلاثة أعوام على نشر روايتي «سيدات القمر»، لم أشعر بالحاجة إلى كتابة رواية جديدة، لم تأتني تلك الرغبة الجارفة في أنْ أكتب، وبالنسبة إليَّ لم تكن الكتابة دوماً إلا حاجة ورغبة، لا تمريناً ولا ظهوراً ولا تطلعاً لأي شيء آخر. لستُ من الذين يجدون أي حرج في الرد على سؤال: «ما هو جديدك؟» بـ: «لا شيء».

خطرت لي بعض الأفكار، تخيلت بعض الحبكات، وكتبت مقطعين أو ثلاثة، لكن ما لم تنادني الرواية بأعلى صوت فلن أذهب إليها. ثم فكرت: سأعيد ترتيب أفكاري وربما أكتب مقطعاً ما، ولكني حين بدأت الكتابة لم أكتب كلمة واحدة لها علاقة بالحبكات التي تخيلتها على مدار السنوات الثلاث الماضية.

وجدتني فجأة أكتب عن شيء لم يخطر لي على بال، عن قصة سيدة ماتت منذ عشر سنوات، كنتُ عرفتُها في طفولتي، ولم أدرك أنني أحببتها إلى هذا الحد حتى رأيتُها في كلماتي، لما وصلتُ إلى الصفحة العاشرة كانت أيام عدة قد مضَت ولكني لم أشعر بها، كنت أعيش كلياً مع شخصياتي، وأبكي بصوت مرتفع حزناً على موت السيدة.

ثم تفرغت للقيام ببعض الأبحاث حول الخلفية التاريخية التي عاشت فيها شخصيتي الرئيسة، ثم باستقصاءات عدة تخص الشخصيات الأخرى المتخيلة في شكل تام، عرفتُ الإحباط واليأس، توقفتُ مراراً عن الإيمان بأنها ستكون رواية، ولكني ظللتُ أستيقظ بعد منتصف الليل لأدوِّن فكرة صغيرة حطَّت عليَّ بين النوم واليقظة، أو تفصيلاً ما حلمتُ به.

وحين أكتب جملة أتذوقها بتمهل، فإذا لم يعجبني طعمها أحذفها. الكتابة هبة، هبة شاقة. حين تبدأ الشخصيات في روايتي بالقيام بما لم أخطط له أعرف أنني أكتب رواية فعلًا، إذا لم أشعر أنا بالحرية فلن أكتب كلمة، وعلى شخصياتي أن تكون حرة كذلك في أن تكون نفسها.

بعد ثلاث سنوات اكتملت الرواية، أعرف أن هناك لمسات نهائية ناقصة، غير أني أشعر بالعجز تجاهها، فكرت في أنه من الأفضل ألا أنشرها، ثم تذكرت كيف بدأتُها في العزلة فقررت إنهاءها في عزلة.

اكتريتُ كوخاً خشبياً مظللاً بأشجار جوز الهند مُطلّاً على البحر، أستيقظ باكراً فأعيد قراءة الرواية وتحريرها، وقبل الغروب أذهب في جولات طويلة مع نفسي إلى الشاطئ، لم أكلم أي مخلوق، ولم أنشغل بغير حيوات شخصياتي، وفي آخر يوم كنت وحيدة على طاولة العشاء مع جهازي حين اقترب مني فنان عجوز وقال لي: «كنت وزوجتي نراقبك طوال هذه الأيام، أنت الوحيدة التي بلا رفيق هنا، هل تعملين كل هذا الوقت؟»، بدا وقع كلمة «تعملين» غريباً على مسامعي، نحن العرب نفصل بين العمل والكتابة، اعتقدت أني في إجازة، في عزلة حلمتُ بها في هذه القرية في أقاصي الهند، فهل أنا هنا للعمل في نهاية المطاف؟! ضحك الفنان حين لم أعرف هل أنا أعمل فعلاً أم أستمتع كما يفعلون هم حين يسبحون. أهداني لوحة لزهور جميلة وخجلتُ من إخباره بأن زوجته التي تقترب من السبعين في غاية الجاذبية، ربما كنتُ أُماهي بينها وبين البطلة في روايتي بلا وعي.

ستنشر «نارنجة» في دار الآداب، ولكني أريد غلافاً مميزاً، كانت عمتي تحكي لي كيف كانت في طفولتها تخيط الدمى بنفسها لتلعب ورفيقاتها بها، سألتها إن كانت تستطيع خياطة دمية بملابس تقليدية لي، ففعلت، حصلنا على لقطات كثيرة للدمية بتصوير محترف، فكانت إحداها هي غلاف الرواية. أعرف أن الرواية لا تنتهي، عليَّ فقط امتلاك الشجاعة للتخلي عنها إلى الناشر.

بعد بضعة أشهر، كنت في إجازة بحثية في بريطانيا أعد الفطائر المحلاة لطفليّ قبل أن يذهبا إلى المدرسة، فتحنا النت على تلفزيون سلطنة عمان لنستمع إلى حفل إعلان جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب، حين جاء مجال الرواية قالت ابنتي: ارفعي المقلاة حتى نسمع جيداً، فوقفت وسط المطبخ والمقلاة في يدي وسمعنا اسم نارنجة ثم اسمي، صاح ابني: ماما أنتِ فزتِ! فتعانقنا في الغربة والثلج.

«نارنجة»، الرواية الثالثة لي، وكتابي العاشر. تستحضر فيها الراوية «زهور»، الذكريات عن جدتها «بنت عامر» بطلة الرواية. وتتبع الرواية حياة بنت عامر، منذ أن كانت طفلة (ولدت في عمان في أعقاب الحرب العالمية الأولى، مع إحدى موجات الغلاء والجفاف) حتى طردِها من البيت مع أخيها من شدة الفقر، والأعمال الشاقة التي قامت بها لسد الرمق، ومن ثم انتقالها إلى بيت أحد أقربائها، بدعوة منه، وحياتها في ذلك البيت التي امتدت أربعين عاماً. وبالتوازي مع حكاية الجدة، هناك قصة زهور وأصدقائها في الغرب. عالم مختلف فيه أشخاص مختلفون: كحل وعمران وسرور، عالم بعيد لكنه مثل أي مكان آخر على وجه الأرض فيه الصراع الطبقي الذي لا يعرف الرحمة. ترتبط زهور بصداقة مع الفتاة الباكستانية سرور وأختها كحل التي تقع في غرام عمران. وهكذا، في غربتها في بلاد الثلج تستعيد زهور أحلام جدتها العذراء التي لم تتحقق قط، وهناك يجمعها القدر بأصدقائها المغتربين، فيشكلون معاً مثلثاً غامضاً تغذيه ذكرى الجدة التي لم تملك حقلها، حائمين حول السؤال الأزلي: هل من علاج للحزن؟

الفوز بجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب أكثر من تشريف وتكريم، فالعمل الإبداعي عمل منعزل نوعاً ما، يُنجز غالباً في وحدة وخلوة، لكن تكريم هذا العمل الإبداعي يخرجه من نطاق ذاتيته وعزلته إلى رحاب آفاق التلقي الواسعة، ويجعل العمل الفائز متاحاً لشريحة أوسع من القراء، فإذا ما لامس شغف القارئ معاناة الكاتب، آتت الكتابة ثمارها، وانتقلت من الخاص إلى العام، ومن الذاتي إلى الجمعي.

تكريم كاتب هو تكريم للكتاب جميعاً، وهو اعتراف بمكانة الأدب في حياة البشر، وقيمته العليا في التعبير الحضاري للشعوب عن نفسها، الأدب روح الحياة ونارها، والظن بأن بلاداً قد تتقدم بالاقتصاد وحده من دون أدب أو فن يدمر المكون الأعمق لهذه البلاد، ويمسها في عمق كينونتها، لذا فأنا فخورة بأن هذا التكريم جاء من بلدي، البلد الذي أحمل إرثه وتاريخه، ولا تنفك كتابتي كلها تدور في فلكه وأحلام البشر فيه وآلامهم.

حضرتُ حفل التكريم في مسقط وشعرتُ بالمسؤولية، ماذا سأكتب بعد جائزة كهذه؟ كنتُ على الدوام صارمة في الكتابة ولكن هذا الفوز يجعلني أكثر حرصاً، إنه نوع من تحدي الذات في الحقيقة.

من جهة أخرى، شجع الفوز الحوار حول العمل الفائز، لما استُضفتُ في هذه النقاشات كان أمراً في غاية الغرابة أن يصبح عمران وكحل وسرور شخصيات حقيقية كأنها لم تنبثق من خيالي، تصبح حيواتها واختياراتها محل النقاش والتحليل كأنها بيننا فعلاً، أخشى أن تدخل بنت عامر علينا القاعة فجأة فتهشُّنا بعصاها قائلة: لماذا تتحدثون عني؟ شعرتُ بأن سمية تنظر إلي بعتب بين الحضور وتسألني لِمَ لمْ أختر لها حُبًّا أسعد ونهاية أفضل؟ أحسست بالارتباك وقلت للجمهور بأني لا أستطيع مناقشة روايتي، عليَّ الكتابة فقط، لا علاقة لي بالنقاش، أنا أخشى شخصياتي بعدما انتهيتُ منها.