إبحار

لوحة للفنانة ريما اميوني
سلمان زين الدين |

شغلَتْنا فتنةُ الإبحارِ

عن مجرًى حفرْناهُ

على مرِّ العصورْ

وانبجسْنا من ظلامِ النبعِ أطفالًا

ورحْنا ننهبُ الدَّربَ

إلى البحرِ الكبيرْ.


لم نُمتِّعْ أعينًا ولهى

بأسرابِ الجمالْ.

لم نَجِدْ في دربِنا المنهوبِ

ما تَحوي الضِّفافُ الخضرُ

ممّا يَخلبُ الألبابَ

أو يَسبي العقولْ.

دائمًا أعينُنا ترنو

إلى الأفْقِ الذي يُغري

بتمكينِ المحالْ.

لم نَجِدْ في سعيِنا المحمومِ

نحوَ البحرِ

ما تُخفي وما تُبدي

ضفافُ النهرِ

من شوقِ الفصولْ.

شغلَتْنا فتنةُ الإبحارِ

عن أنفسِنا،

لــــم نلــــتفتْ شطــــرَ الجــــمالِ المستوي

فوقَ ذرى أعماقِنا

لم ننتبهْ أنَّ الذي

نسعى إليهِ كامنٌ فينا

وأنَّ الدرَّ إذ

يُشعِلُ فينا

هَوَسَ الغوصِ عليهِ

قابعٌ في قعرِنا

منذُ الأزلْ.

شغلَتْنا فكرةُ الإبحارِ

عمّا حولَنا من نعمةٍ

نرتعُ فيها،

فانشغلْنا بالعصافيرِ

التي تزقو على الأشجارِ

عمّا تملكُ الأيدي

من الخَطْبِ الجَلَلْ.

مُذْ خرجْنا من ظلامِ النبعِ نَجري،

وَنُلبّي دعوةَ البحرِ

إلى صيدِ الدُّررْ.

كمْ تَعاميْنا عنِ المجرى

مقاماتٍ وأحوالًا

ولم نسمعْ أناشيدَ المطرْ.

ونسيْنا بحرَنا الكامنَ فينا،

وَسَدَرْنا في ضلالٍ مزمنٍ

حتّى إذا ما أصبحَ البحرُ

على مرمى حجرْ،

وَغدوْنا لعبةً

تلهو بها كفُّ القدرْ،

وَنهضْنا من كرى الكهفِ حَيارى،

لم نجدْ من نومةِ البحرِ مفرْ.

هلْ تأخّرْنا

وفاتَ الوقتُ في تغييرِ مجرانا

فلم نسمعْ صدى درٍّ عتيقٍ

في خوابينا

ولم نعثرْ على درٍّ مقيمٍ

في خوابي البحرِ

نُغويهِ ويُغوينا؟

وهلْ نحنُ الألى نصنعُ أقدارًا لنا

أمْ أنّنا صنعُ القدرْ؟