«ماكوين» ... عبقرية استثنائيّة رحلت قبل الأوان

من أجواء الفيلم
أمل الجمل |

كلما تأملت أعمال لي ألكسندر ماكوين، مصمم الأزياء الاسكتلندي الشهير، بكل وحشيتها، وقسوتها، ولا معقوليتها أحياناً، بكل غرائبيتها وشذوذها وإثارتها الجدل والسخط من حوله - الى درجة جعلت الصحافة العالمية في بعض الأحيان تشنّ علىه هجوماً قاسياً لاذعاً - أتساءل هل كانت أزياؤه تعبيراً عن شخصيته أم هروباً منها؟! هل كانت أفكاره ولمساته المجنونة، بكل عبقريتها، تعبيراً عن وجدانه أم هروباً منه؟

أحيت في داخلي التساؤل مجدداً مشاهدتي الفيلم الوثائقي «ماكوين» ضمن مسابقة الفيلم الوثائقي في الدورة الثانية لمهرجان الجونة السينمائي. جاء الشريط بتوقيع كل من المخرج إيان بونهوت بالتعاون مع المخرج بيتر إيتيدجوي الذي كتب سيناريو الفيلم أيضاً بنفسه، وهو سيناريو يبدو - ظاهرياً - بسيطاً سهلاً، أقرب إلى الأفلام التلفزيونية التي تنهض على الحوارات، لكن الحقيقة خلاف ذلك تماماً، إذ يتبنى صُناعه أسلوباً سردياً صعباً في إنجازه، قوي التأثير فكرياً وعاطفياً، وذلك عبر استكشافه رحلة ذلك الفنان، ومسيرته بكل دروبها الوعرة والمرهقة نفسياً، المليئة بالإصرار، بالتحدي، منذ كان صبياً لا يملك أي أموال، فقط كانت كل ذخيرته الحلم والإرادة وموهبة إدارة المقص بين أصابعه بحرية كبيرة قادرة على تشكيل الأقمشة على هيئة ثياب لافتة.

العقبات وقود النجاح

لم تقف اللغة عائقاً أمام إصرار ماكوين على التعلم لدى أهم مصممي الأزياء في ميلانو، فبعد أن توقع له الأصدقاء أن يعود من إيطاليا إلى بلده بعد أسبوع واحد إذ لم يكن معه المال ولايمتلك لغة للتواصل، لكنه بعد أسبوعين اتصل ليخبرهما بالتحاقه بالعمل كمساعد هناك.


لم يتذرع ماكوين أبداً بأن نقص الإمكانات سيكون سبباً في عدم إنجاز طموحه، بل كان يتحدى دوماً بأنه قادر على تصميم فستان لافت مبهر من كيس بلاستيكي وجده في الشارع. عرف كيف يتعلم من الكبار والخبراء ويُطوّر شخصيته، أدرك من بعضهم أهمية التاريخ ليستلهم منه بعض خطوط أزيائه، ثم خلق هو إبداعاته الخاصة، استعاد تجاربه الشخصية وخبرات الطفولة بكل مآسيها، سواء عبر اعتداءات الآخرين عليه، أو اعتداء زوج الأخت على شقيقته بالضرب والإهانة، ليعكسها في خطوط أزيائه وتصميماته، معبّراً بأسلوبه المتفرد عن تضامنه مع النساء ضد انتهاكات الرجال، من دون أن يتخلى عن جماليات لافتة بل طاغية على تلك الأزياء، تكشف قدراته كفنان تشكيلي لا يتوقف عن الابتكار الخلاق.

عندما سُئل ماكوين ذات يوم هل يمكن أحداً أن يُكمل مسيرته، قال: «صعب، لأن هذا يعني أن يكون هذا الشخص قد عاش حياتي ومر بتجاربي وخبراتي نفسها». إنها جملة بسيطة صادقة جداً على رغم ما قد تحمله من غرور أو ثقة بالنفس، لكنها أيضاً تُفسر لماذا سعت «جيفنشي»، أشهر بيوت الأزياء الفرنسية، وراء ماكوين ليرتبط اسمه بها، ثم بناءه مؤسسته الخاصة التي تحمل اسمه. مثلما لا يغفل السيناريو تلك التفاصيل الصغيرة التي تتراكم على مدار الفيلم، والمؤكدة ذلك الشغف الذي صنع اسم ماكوين وميّزه كإنسان وفنان له بصمة شديدة الخصوصية والألق على رغم رحيله المبكر قبل إتمام عامه الحادي والأربعين بشهر واحد فقط.

تلك الشخصية

أبعاد عديدة تميز هذا الوثائقي المهم، أهمها بالطبع شخصية بطله لي ألكسندر ماكوين الذي فاجأ العالم صباح ١١ فبراير (شباط) من عام ٢٠١٠ بخبر انتحاره، عقب وفاة والدته بأيام قليلة. وتتجلى أهمية الشخصية، ليس فقط، في كونها مثيرة للجدل في عالم الأزياء والموضة، لكن أيضاً لأنها شخصية درامية بامتياز، إذ تكتنف جوانحه وحياته القصيرة نسبياً - مقارنة بالإنجاز والإرث الفني الذي تركه من ورائه - طاقة ووهج كبير يستمد قوته من الصراع المتفجر في أعماقه ومن حوله، إنه الصراع الذي تطورت معه الشخصية وصولاً إلى لحظات التنوير، وليس لحظة تنوير واحدة فقط.

لماذا نقول لحظات التنوير؟ لأن الفيلم في أسلوبه السردي ينهض على صيغة الثنائيات التي يتناولها تباعاً، كأن كلاً منها كان يشكّل صراعاً ما في حياة البطل التراجيدي هنا، ماكوين وعلاقته بوالدته وارتباطه الكبير بها وعجزه عن تقبّل مرضها وتدهور حالتها. ماكوين وصديقته مصممة الأزياء إيزابيلا بلو التي ساهمت بقوة في تقديمه للعالم وتعلقه بها قبل أن ترتبك علاقتهما ويحوطها التوتر في لحظة ما، ثم انفصاله عنها بقسوة بالغة وعقاب مؤلم، اختتمه صُناع الفيلم برد فعله إزاء خبر وفاتها.

إضافة إلى ذلك، ثنائية ماكوين وصديقه الإيطالي المقرب جداً سباستيان الذي فجأة قرر أن يترك العمل معه لأنه صار عبئاً نفسياً عليه، هنا نُنصت إلى حديث الأخير عن علاقتهما وتحليله التكوين النفسي لشخصية ماكوين بشفافية لافتة، مؤلمة. ثم ثنائية ماكوين ومساعدته التي كانت دوماً إلى جواره والتي تولت إدارة أعماله عقب انتحاره والتي تُلقي ضوءاً على كثير من المراحل وتُوضح كثيراً من تصرفات ذلك العبقري، والتي كانت تبدو جارحة وفظة في رأي الآخرين، من دون أن ننسى ثنائية وحدته القاسية ومعاناته النفسية نتيجة ذلك في مقابل شهرته العالمية.

كذلك، تحتل جزءاً مهماً في الفيلم ثنائية ماكوين وعلاقته بأخته التي كان يُحبها وتأثر بالإهانات التي تعرضت لها في حياتها الزوجية، واستلهم منها كثيراً من تفاصيل أزيائه وخطوطها، وكيف كان يقول من خلال هذه الأزياء أنه يريد للنساء أن تكنّ قويات، وألا تخضعن للابتزاز ولا تستسلمن للإهانات. ثم ماكوين وابن أخته الذي منحه فرصة للعمل بجواره لثقته في موهبته، وطلبه ذات يوم أن ينحت له جمجمة تمثل ماكوين ذاته والتي يبدأ بها الفيلم وقطرات من الدماء تتساقط عليها أو تنزف من أعلاها في دلالة رمزية لتكوين شخصيته ومسار حياته.

الجوانب البصرية

البعد الثاني المميز للفيلم هو المستوى البصري، والذي ينقسم إلى شقين، أولهما مستمد أساساً من خمسة أفلام صُنعت عن ماكوين وعروضه أثناء حياته بطلب منه. ويبدو ماكوين حاضراً بقوة في الأفلام الخمسة، إذ يُوثق لأسلوب عمله وتصرفاته مع أصدقائه والمحيطين به والعاملين معه، بمن فيهم الموديلز. كان ماكوين هنا هو المخرج بنفسه، إذ نراه في إحدى اللقطات يُعطي أمراً للكاميرامان الذي انخفض بعدسة كاميرته ليتابع ساقي إحدى عارضات الأزياء وهي تخلع ملابسها فيطلب منه ماكوين بحسم أن يرفع الكاميرا الى أعلى.

أما الشق البصري الثاني، فيعتمد على مجموعة لقاءات ثابتة في لقطات متوسطة الحجم أو واسعة أو مقربة لشخصيات من عائلة ماكوين مثل أخته، وابنها، أو صديقه سباستيان، وآخرين، في سرد إنساني يبدو في أحد جوانبه مفعماً بالحب لتلك العبقرية، وفي الوقت نفسه يتميز السرد بالوعي العميق والإدراك لمكنون الشخصية والأشياء التي جرحتها وكانت سبباً في قسوتها أحياناً، والتي نجم عن بعضها انفصالها عن اثنين من أهم أصدقائها.

ويتجلى البعد الثالث المميز للفيلم في أن جمالياته الفنية تبدو متوارية، بذكاء شديد، ووعي كبير لمصلحة شخصية البطل التراجيدي الذي عاش حياة قصيرة، لكنها متوهجة، متأججة، مُلهمة، جعلت العالم من حوله، أو على الأقل المهتمين بعالم الموضة يبحثون عنه، ويكون مادة خصبة لأحاديثهم وانتقاداتهم، وإعجابهم، ومساومتهم للاستفادة من عبقريته.

خط الزمن

ظاهرياً، يبدو أن الفيلم ينمو بالتوازي مع نضج شخصية ماكوين وتقدم مسيرته الفنية غير العادية التي تقترب من حالة الشُهب، لكن المتأمل لنسيج البناء السردي، وتأسيس البناء الفيلمي، يُدرك أن هذا التوازي أمر خادع وغير صحيح. لماذا؟ لأن إحدى جماليات السرد بذلك الشريط الوثائقي أنه لا يسير في الزمن وفق خط كرونولوجي، إنما يُركز سرده على سنوات النضج ثم سرعان ما يعود أحياناً للطفولة ليكشف عن تأثيرها البالغ على مسيرته. وعندما يُشير الوثائقي إلى صداقاته وما أصابها من شروخ، كان بعض الأصدقاء يعرج مرة أخرى على طفولته ليكشف شيئاً جديداً، وهكذا في جوانب شتى من حياة ماكوين ومنها علاقته بأمه، وكذلك علاقته بأخته. ومن هنا، احتفظ الفيلم بإيقاع جذاب مُؤثر بعواطفه التي قام ببنائها في قلوبنا تدريجياً طوال العمل حتى جعلتنا مع هبوط التترات نشعر كأننا جزء من مأساة ذلك العبقري الذي حمل اسم لي ألكسندر ماكوين.