هل أحرق طارق بن زياد حقاً سفناً حَمَلَتْه إلى الأندلس؟

علي عفيفي علي غازي |

كثيراً ما تتردد في تاريخ الفتح العربي الإسلامي للأندلس، رواية نقلتها المصادر العربية والأوروبية، واشتهرت وذاع صيتها كثيراً في التاريخ الإسلامي عامة، والتاريخ الأوروبي والإسباني بخاصة، خلاصتها تقول إن طارق بن زياد أمر بإحراق السفن التي عبر بها المضيق إلى بلاد الأندلس، بعد نزوله إلى الشاطئ؛ ليقطع على جنوده كل أمل بالرجوع، والعودة إلى أفريقيا، وليحفزهم على الاستبسال في القتال قبل موقعة وادي برباط، قائلا لهم: «البحر من ورائكم، والعدو من أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر». (المقري: نفح الطيب، ج 1، ص 230).


بعض المؤرخين يُؤكد صحة هذه الرواية، وبعضهم الآخر يُشكك فيها، والرأي أنها رواية ليس لها سند صحيح في التاريخ الإسلامي، فعلم الجرح والتعليل الذي تميز به المسلمون، ومنهج النقد التاريخي الظاهري والباطني، يذهبان إلى أن الرواية كي تكون صحيحة لا بد أن تكون من طريق أُناس موثوق بهم. وهذه الرواية لم ترد قط في روايات المسلمين الموثوق بتأريخهم. والمصادر العربية التي تُحدثنا عن فتح الأندلس، لا تذكر شيئاً عن حرق السفن والخطبة، وإنما استوردت من خلال الروايات الأوروبية التي كتبت عن موقعة وادي برباط. فالمؤرخون المسلمون المتقدمون الذين أتحفونا بتفاصيل أحداث فتح الأندلس، لم يُشيروا إلى مثل هذا الأمر، إنما أشار إليه، عند ذكره لجغرافية الأندلس، رحالة متأخر وضع كتابه في صقلية بعيداً عن أرض الأندلس هو الشريف الإدريسي (الإدريسي: نزهة المشتاق، ص 178)، وكان ذلك في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، أي بعد فتح الأندلس بأكثر من ثلاثة قرون، ولهذا فهي أيضاً عُرضة لكثير من الريب، وعلى رغم ذلك، نقلت بعض المصادر والمراجع المتأخرة عنه هذه الرواية، وفي ما عدا ذلك فإن جميع المصادر العربية والإسلامية، تمر عليها بالصمت المطلق.

ولو تناولنا الأحداث التاريخية بالنقض والتحليل سنجد أنها قضية لا يقبلها المنطق السليم، ولا يُعقل أن يُقدم عليها قائد مُحنك، كطارق بن زياد، فإحراق السفن يترتب عليه عزل القوة الإسلامية وقطع سبل اتصالها بأفريقية، وارتباطها بالسلطة المركزية في القيروان، والمعروف أن من بديهيات الحرب أن يُحافظ القادة على سلامة خطوط مواصلاتهم مع مراكز الإمدادات والتموين. ثم إن القائد المسلم الذي كانت أولى مبادراته السعي لإقامة رأس جسر عند صخرة جبل طارق بحيث تتأمن المواصلات بين الشاطئين بصورة دائمة ما كان من المعقول أن يحرق السفن التي لا غنى عنها لإبقاء تلك الصلة قائمة. كما لو أن هذه الرواية صحيحة، فلماذا لم توضح المصادر التاريخية التي أوردتها موقف موسى بن نصير، ولا موقف الخليفة الوليد بن عبد الملك، ولا تعليقاً من علماء المسلمين على جواز هذا الفعل من عدمه، فكل المصادر التاريخية التي أوردت هذه الرواية لم تذكر على الإطلاق أي رد فعل من هذا القبيل، ما يُعطي شكاً كبيراً في حدوث هذا الإحراق.

وفق بعض الروايات (ابن عذاري: البيان المغرب، ج 2، ص 6؛ الحميري: الروض المعطار، ص 35.) لم يكن طارق بن زياد يملك السفن التي عبر بها، وأن يليان حاكم سبته قد أجرها له، أو استأجرها له من التجار، ومن ثم فليس لطارق بن زياد الحق في إحراق هذه السفن. لأنها ليست ملكاً للمسلمين، بل التحقت لحمل الفاتحين إلى البر الأندلسي، وبعد إكمال إنزال الفاتحين عادت، ولم يتبق على الساحل ما يركن إليه المسلمون في انسحابهم من الأندلس إلى الساحل الأفريقي.

ولعل ذكر المصادر الأوروبية لهذه الرواية وإشاعتها كان محاولة منها لتفسير النصر العظيم لاثني عشر ألفاً على مائة ألف في عقر دارهم، في أرض عرفوها وألفوها، ومن هنا فقد حاول المؤرخون الأوربيون وضع هذه الرواية لتكون سنداً وحجة ليثبتوا أن النصارى لم يُهزموا في ظروف متكافئة، في محاولة منهم للبحث عن تفسير مقنع لهذا الانتصار الغريب، فقالوا إن طارق بن زياد قد أقدم على حرق السفن كي يضع المسلمين أمام أحد أمرين: الغرق في البحر من ورائهم، أو الهلاك المحدق من قبل النصارى من أمامهم، وكلا الأمرين موت محقق، ومن ثم فالحل الوحيد لهذه المعادلة هو الاستماتة في القتال، للهرب من الموت المحيط بهم من كل جانب، فكانت النتيجة الطبيعية الانتصار، ولو كانوا يملكون العودة لكانوا قد ركبوا سفنهم وانسحبوا عائدين.

هكذا فسر المؤرخون الأوروبيون السر الأعظم، في زعمهم، في انتصار المسلمين في معركة وادي برباط، ولعلنا نلتمس لهم العذر، فهم لم يفقهوا القاعدة الإسلامية المسجلة في كتاب الله تعالى والتي تقول: «كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين» (البقرة: 249)، فالمتأمل للتاريخ الإسلامي يجد أن الأصل هو انتصار المسلمين، على رغم قلتهم على أعدائهم الكثيرين، وكلما ازداد المسلمون في عددهم واغتروا بتلك الزيادة تكون النتيجة هزيمة لهم، كما حدث يوم حنين، «ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم من الله شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين» (التوبة: 25).

والشيء المؤكد أن المسلمين لم يكونوا بحاجة إلى حماس بإحراق السفن، وهم إنما جاءوا من بلاد بعيدة، وأقطار عديدة، راغبين في الجهاد طالبين الموت في سبيل الله، مستعدين للشهادة، يقاتلون من أجل عقيدة، ومن ثم فلا حاجة لهم بقائد يُحمسهم بحرق سفنهم. وليس من المعقول أن قائداً محنكاً مثل طارق بن زياد يُقدم على إحراق سفنه، ويقطع بذلك خط الرجعة على جيشه، فماذا لو انهزم المسلمون في المعركة، وهو أمر وراد وطبيعي، فهناك احتمال أن ينسحب المسلمون من ميدان المعركة، فكيف إذاً يقطع طارق بن زياد على نفسه التحوط والاستعداد لقتال جديد، أو يقطع على نفسه طريق الانحياز إلى فئة المسلمين، ومن هنا فإن مسألة حرق السفن هذه تُعد تجاوزاً لا يُقدم عليه مثل طارق بن زياد، وما كان علماء المسلمين وحكامهم ليقفوا مكتوفي الأيدي حيال هذا الفعل إن كان قد حدث. وعلى هذا فإذا كانت السفن ليليان فليس من حق طارق التصرف بها، وإن كانت للمسلمين فليس حرقها عملاً عسكرياً سليماً أو مناسباً، ما دام يحتاج إليها، وإلى النجدة والاتصال الدائم بالمغرب والشمال الأفريقي لأي غرض، وهذا ما تؤكده الأحداث التاريخية اللاحقة من احتياجه إلى النجدة قبل خوض معركة وادي برباط وبعدها، كما أن دوافع المعاني الإسلامية والهدف الذي جاء الجيش من أجله أقوى في الاندفاع من أي سبب آخر، وما كان المسلمون يتخلفون عن خوض معركة أو تقديم أنفسهم لإعلاء كلمة الله، بل لذلك أتوا.

لكل هذه الأمور نرى أن قصة حرق السفن هذه قصة مختلقة، وما أشيعت إلا لتهون من فتح وانتصار المسلمين. فالفريقان في المعركة مختلفين تماماً، «خصمان اختصموا في ربهم» (الحج: آية 19): فريق خرج طائعاً مختاراً، راغباً في الجهاد، وفريق خرج مُكرهاً مضطراً مُجبراً على القتال. فريق خرج مستعداً للاستشهاد مسترخصاً الحياة من أجل عقيدته متعالياً على كل روابط الأرض ومنافع الدنيا، أسمى أمانيه الموت في سبيل الله، وفريق لا يعرف من هذه المعاني شيئاً أسمى أمانيه العودة إلى الأهل والمال والولد. فريق يقف فيه الجميع صفاً واحداً كصفوف الصلاة، الغني بجوار الفقير، والكبير بجوار الصغير، والحاكم بجوار المحكوم، وفريق يمتلك فيه الناس بعضهم بعضاً، ويستعبد بعضهم بعضاً. فريق يجمع بين التقوى والرحمة والرأفة والعزة والتواضع، وفريق متسلط مغرور يعيش مترفاً منعماً، فأي الفريقين أحق بالنصر.

وقد يُقال، إن في خطبة طارق ما يؤيد صحة هذه الرواية، إذ يستهلها بقوله: «أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر»، وفي ذلك يمكن أن يُفسر أن الجيش الإسلامي الفاتح، قد جُرد من السفن التي حملته من سبتة إلى الأندلس. وتفسير أقوال طارق هذه، هو أن السفن ليست ملكاً للفاتحين، ولا تحت تصرفهم في جميع الأوقات، وأنها عادت إلى صاحبها، ولم تبق على الساحل الأندلسي، جاهزة لتأمين انسحاب الفاتحين من الأندلس إلى الساحل الأفريقي.

كما أن طارق ومن معه من مجاهدين، جاءوا إلى الأندلس، للجهاد من أجل عقيدة، وكانوا مستعدين للشهادة من أجل عقيدهم، فلا مسوغ لإحراق السفن من أجل وضعهم وجهاً لوجه أمام الدفاع عن أرواحهم، فما كانوا في حاجة إلى من يضعهم هذا الموضع، لأن أرواحهم لم تكن في حال من الأحوال أغلى عليهم من عقيدتهم، وما أنجزوه قبل عبورهم إلى الأندلس وبعد عبورهم خير دليل على قتالهم من أجل قلوبهم وعقيدتهم لا من أجل جيوبهم وأرواحهم.

والواقع أن الإقدام على حرق سفن العبور، يصعب تصديقه ويصعب مجرد التصور أن طارقاً يمكن أن يفعله، فإن كانت تلك السفن ليليان، فليس من حق طارق إحراقها، وإذا كانت للمسلمين فليس حرقها عملاً عسكرياً سليماً، إذ يخالف أحد مبادئ الحرب المهمة، ولا يتفق مع المنطق والعقل. لذلك لم تشر المصادر الاندلسية والعربية الأولى، إلى قصة إحراق السفن، والمصادر التي ذكرتها نقلتها عن الإدريسي وكذلك المراجع، ومنها المصادر والمراجع الإسبانية.

وهكذا فإن قصة إحراق طارق للسفن لا سبيل لتصديقها، لأنها تناقض حماسة المجاهدين الذين لا يحتاجون إلى حوافز جديدة، ولأن السفن لم تكن ملكاً للمسلمين، ولأن هذه القصة دونت لأول مرة في القرن الخامس الهجري، أي بعد فتح الأندلس بأكثر من ثلاثة قرون صُنفت خلالها كثير من المصادر الأندلسية، من دون أن تشير إلى هذه القصة أو تتطرق إلى ذكرها، كما لم تؤيدها أي رواية إسلامية أخرى قبل رواية الإدريسي لها. الخلاصة أننا نميل إلى الرأي الذي يُشكك في إحراق السفن، ويُرجح أنه أخفاها في أحد الخلجان المحاطة بالجبال. بل إن يليان هو الذي قدم السفن لنقل الفاتحين إلى الأندلس في بعثتهم الاستكشافية الأولى بقيادة طريف بن مالك. وهو الذي قدم السفن إلى الفاتحين بقيادة طارق، كما لا يبقى مسوغ لإحراق تلك السفن.

ولعل ما يؤكد صدق ما ذهبنا إليه أننا لا نجد في المراجع العربية التاريخية القديمة ما يشير إلى أن طارق بن زياد أقدم على إحراق السفن، بما في ذلك مراجع الثقات أمثال ابن القوطية في تاريخ افتتاح الأندلس، والبلاذري في فتوح البلدان، وابن قتيبة في الإمامة والسياسة، وابن الحكم في فتوح أفريقيا والمغرب، وابن الآبار في الحلة السيراء، أو أخبار مجموعة في تاريخ الأندلس. وانفراد الشريف الإدريسي بين المؤرخين العرب القدامي الثقات منهم بروايته المتصلة بإحراق السفن، ربما نجد ما يبرره من أنه ولد في الأندلس، وتأثر بواقع عصره، إذ كانت الدولة الأموية في حالة احتضار، وتقلص نفوذها عن شبه الجزيرة الأيبيرية بعد أن راحت بعض الأقاليم تسقط في أيدي الأسبان، وتنسلخ عن الحكومة المركزية في قرطبة. فراجت فكرة الانتقاص من الفتح العربي وقيمته العسكرية، فعمد الإدريسي إلى توليد نوع من المعادلة، للحد من خطورة تطاول الأسبان على الوجود العربي في بلادهم، فاستساغ هذا الغرض مسألة إحراق طارق بن زياد للسفن، ووجد من تأثره بمعطيات علم الفلك الذي كان هو من هواته الحافز الملائم لتلك الغاية.

ومن قراءة الوقائع التاريخية التي رافت الفتح، نستنج من منطقها أن السفن الأربع أو الست التي عبر بها طارق ورجاله كانت ليوليان حاكم سبته، وهي كمدينة ساحلية تعتبر مثل هذه السفن بالنسبة إليها عصب الحياة، فضلاً عن أنه ليس من تقاليد الحرب أن يتلف عتاد حربي هو من أسباب النصر، إلا في حالة الهزيمة لئلا يستفيد منه العدو، أضف إلى ذلك أن القائد العربي لا يستطيع أن يقدم على أمر كهذا من دون أن يستأذن القيادة العليا، وليس بين المآخذ التي اتهم بها طارق بن زياد مأخذ عسكري واحد، الأمر الذي يجعلنا نرفض هذه الرواية جملة وتفصيلاً. ثم هل يرضى قائد عسكري أن يضع جنوده أمام موت محتم ويلزمهم بانتزاع النصر، والمعركة غير متكافئة، كل ذلك ليحقق على أشلائهم المجد، فأي مصير ينتظر هؤلاء الجنود إذا لم ينتصروا على أعدائهم؟