العمل التطوعي الذي «لا ينتهي» يعزز صمود المجتمعات الهشة

هناك من يظهر فجأة ليقول أن من رحم الأسى والتشاؤم تولد الحياة والتفاؤل (إرين)
القاهرة – أمينة خيري |

إنها الثقافة التي تبدأ بالإمساك بيد مسنّة لتعبر الطريق، وتمرّ بتعليم أطفال المخيمات مبادئ الحساب وأصول الجغرافيا، و «لا» تنتهي بمساعدة الهاربين من نزاعات مسلّحة في سورية واليمن، أو شبح جوع في مالي والنيجر، أو تسونامي ضرب إندونيسيا أو بنغلادش.


إنها ثقافة التطوّع التي «لا» تنتهي بل تبدأ في كل مرة يتطوّع فيها بشر لمدّ يد العون إلى بشر، لا لتقليل كلفة أو لتمضية وقت فراغ، لكنه تصرّف أخلاقي ينبع من رغبة البشر في أن يكونوا جزءاً من التغيير، لا جالسين متكئين ينتظرون ما سيسفر عنه التغيير.

وليس هناك تغيير أكبر أو أعمق أو أوسع مما يشهده العالم هذه الآونة. بعضهم ينظر إلى التغيير الدائرة رحاه باعتباره ساحقاً، وبعضهم الآخر يراه غير مسبوق. تغيّر المناخ يسير على قدم وساق على رغم انشغال العالم عنه. عدم المساواة لا يزال يضرب بعنف. الأيدولوجيات السياسية المتطاحنة تنتعش وتتوسّع وتتوغّل في شكل لم يحدث منذ الحرب العالمية الثانية. في الوقت عينه، يشهد العالم أكبر كارثة إنسانية ناجمة عن موجات النزوح والهجرة في التاريخ. وتبعاً لإحصاءات أممية، فقد شهد العام الماضي نزوح 68 مليون شخص بين هارب من نزاع مسلّح، وفار من انعدام فرص البقاء على هامش الحياة أو حتى قيدها. لكن هناك من يظهر فجأة ليقول أن من رحم الأسى والتشاؤم تولد الحياة والتفاؤل.

اليوم، صدر تقرير «متطوعو الأمم المتحدة» الأممي عن «برنامج الأمم المتحدة للتطوّع» تحت عنوان «الرابط الذي يجمعنا»، وأطلق إقليمياً مع تركيز على التطوّع والقدرة على الصمود عربياً.

يشير التقرير إلى أن فترات عدم الاستقرار في العالم، لا سيما العربي، باتت متكررة وواسعة الانتشار. بلدان عدة متأثرة سلباً، حتى تلك التي عرف عنها الاستقرار السياسي والاقتصادي، إلّا أن الخسائر تتركّز في البلدان ذات المداخيل المتوسّطة والمنخفضة. وقد تضامن عدم الاستقرار السياسي، والصراع والإرهاب ليحصد حياة آلاف ويكلّف الاقتصاد العالمي تريليونات، ومعمّقاً الهوة التي باتت سحيقة بين البلدان التي تنعم بالسلام والأمن وتلك التي تفتقدهما.

وفي خضم هذه الصورة المخيفة، يظهر التطوعّ ويبزغ المتطوعون كنقطة ضوء مبهرة. يقدّر التقرير عدد «جيش المتطوعين حول العالم بحوالى 109 ملايين متطوّع يقدّم 30 في المئة منهم خدماتهم تحت مظلة مؤسسات وجمعيات. أما النوع الذي يصعب رصده وتوصيفه بدقة هو الـ70 في المئة المتبقية، والذين يقدّمون خدماتهم في مواقف مفاجئة وعبر قنوات غير منظّمة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في الحالات الطارئة. وتتفوّق النساء على الرجال في التطوّع، إذ يشكلّن حوالى 57 في المئة من نسبة المتطوعين، لا سيما عبر القنوات غير المنظمة. وهذا مثير للدهشة والإعجاب، حيث التطوّع غير المنظّم لا يحظى بالقدر ذاته من الاهتمام والتركيز الإعلامي عكس التطوّع المنظّم، وعلى رغم ذلك يقبل عليه المتطوّعون، لا سيما النساء.

8.9 مليون عربي

ويقدّر عدد المتطوعات والمتطوعين في المنطقة العربية بحوالى 8.9 مليون شخص، ما يضعها في المرتبة الثالثة بين ست مناطق في العالم. ويقدّر حجم العمل التطوعي العربي غير المنظّم بنحو 83 في المئة، أي إنه يشكّل الغالبية. وتبلغ نسبة النساء في العمل التطوعّي العربي حوالى 57 في المئة.

ويبدو أن طبيعة العمل التطوعي تناسب النساء إلى حدّ كبير، لا سيما ذلك النابع من المجتمعات ذاتها. تقول سيدة مصرية: «لأنني أعرف جيراني معرفة جيدة جداً، فإننا نتحدّث دائماً في أمورنا وأحوالنا. وكثيراً ما أتصل بهم لبدء دورة من القروض الصغيرة لمساعدة جار يكون في ضائقة مالية شديدة. أتصل بكل منهم في الأول من كل شهر، وأجمع المبلغ ونبدأ بالجار الأكثر حاجة ليتقاضى المبلغ».

وفي سياق التطوّع النابع من المجتمع ذاته أيضاً، يقول متطوع سوداني شاب أن هذا «العمل داخل المجتمع الذي أنتمي إليه يتيح لي ميزة معرفة الناس، والقدرة في الوصول إلى الأشخاص المحوريين القادرين على المساعدة، وأولئك المحتاجين إلى المساعدة».

لكن التطوّع بالمساعدة في المجتمع لا يقتصر على مساعدة أبناء المجتمع عينه فحسب، بل يمكن أن يكون موجهاً إلى آخرين. يقول محمد المتطوّع الشاب من القاهرة: «عملت سنوات في مجال المحاسبة، لكني لم أكن سعيداً في عملي. وتوفرت لي فرصة التطوّع لتقديم المساعدة لعدد من طالبي اللجوء في القاهرة. كنت أشاهد أناساً مجهدين يائسين يصطفون أمام أبواب المفوضية العليا للاجئين في القاهرة بدءاً من الثامنة صباحاً. كنا نتلقى طلبات 100 شخص يومياً، إضافة إلى مئات آخرين يأتون للسؤال عن مصيرهم في طلبات إعادة التوطين واللجوء، وطلبات الدعمين الصحي والمادي. وتلخص عملي التطوعي في تقديم المعلومات لهؤلاء، فضلاً عن تحديد الأشخاص الأكثر حاجة وضعفاً. كان لدينا حوالى 120 ألف طلب، لكن للأسف مواردنا لم تكن تكفي لتلبية حاجات الجميع».

ويتابع محمد أن الفرصة التي أتيحت له للاستماع إلى مشكلات الناس وتقديم الدعم النفسي والتكافل المعنوي لهم، حتى في الحالات التي لم يكن العثور على حل قاطع للمشكلات الكبرى، أفضت إلى هذا التواصل الإنساني الرحيم «المبهج والمرضي لهم ولي».

نماذج تحتذى

ويشير التقرير إلى عنصر آخر بالغ الأهمية والفاعلية في مجال العمل التطوعي وهو الشباب. فالمتطوعون الشباب قادرون على تزويد المجتمعات المتضررة بنماذج تُحتذى في القدرة على التنظيم والعمل والحماسة والتفاؤل، إضافة إلى الإيمان بقدرتهم على بناء قيم السلام والتناغم الاجتماعي. كما أنهم أكثر قدرة على مناقشة العوامل التي تؤدّي إلى العزلة الاجتماعية والقيود المجتمعية، والتي قد تدفع ببعضهم إلى التطرّف والتشدد. ويذكر أن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «يونيسكو» أطلقت حملة شبابية عنوانها «شغل شباب» امتثالاً للقرار الرقم 2250 المعتمد من مجلس الأمن في عام 2015، والهادف إلى تعزيز مشاركة الشباب في مجالي السلم والأمن. وتسعى الحملة إلى تعزيز قدرة الشباب على أن يكونوا عوامل تغيير إيجابية في المجتمعات العربية المتضررة، لا سيما في ما يتعلّق ببناء السلام وإعادة زرع الثقة بين الناس. ويتعامل المتطوعون الشباب في ملفات عدة أبرزها مواجهة الاحتقان المجتمعي والعنف وإعادة نسج التناغم.

شكل مختلف من أشكال التناغم يعرضه التقرير من ألمانيا، حيث متطوعون يقدمون الدعم لأعداد هائلة من اللاجئين وطالبي اللجوء. ويذكر أن أكثر من 1.4 مليون شخص تقدموا بطلبات لجوء إلى ألمانيا منذ عام 2014. وشهد المجتمع الألماني إقبالاً كبيراً على التطوع لمساعدة اللاجئين في عدد من المدن والقرى. وهم لا يقدّمون الدعم المادي من رعاية صحية وتعليمية وغيرها فحسب، بل الدعمين المعنوي والنفسي اللذين لا يتوافران عادة عبر قنوات الدعم الرسمي للاجئين، ما يعني أنهم لا يجدون تعاملاً يحفظ كرامتهم فحسب، بل يقي أكثرهم ضعفاً خطر مزيد من الضررين المادي والنفسي.

وعلى رغم الصورة الإنسانية المشرقة لثقافة التطوّع على أنواعه، لكنه ليس خالياً من المشكلات والعقبات. فبين العوائق المادية الناجمة عن نقص الإمكانات، مروراً بمصاعب الوصول إلى المجتمعات الأكثر تضرراً لا سيما في حالات الكوارث والناجمة عن الصراعات المسلّحة، وانتهاء بعدم قدرة الراغبين في التطوّع على تقديم خدماتهم في حال كانوا هم وأسرهم في حاجة إلى الدعم.

لكن، تبقى هذه «الرسالة» عاملاً فعالاً من عوامل تقوية أواصر العلاقات بين البشر، والتراحم، والمشاركة التي تشمل الجميع، إضافة إلى أنها تطوّع بالوقت والجهد والمشاعر. ويعلّق أحد المتطوعين: «الأثرياء الذين يملكون المال في المدينة قد يحلون المشكلات بدفع أموال. لكننا نحل المشكلات عبر التعاون والتراحم لأننا لا نملك المال. إنه التطوّع الذي لا ينتهي».