ميخائيل زوشينكو يسرد ملامح من روسيا البولشفية

غلاف الكتاب
يونان سعد |

الترجمة العربية الأولى لقصص ميخائيل زوشينكو؛ الذي عاش إبان حكم البلاشفة وكتب عدداً لا بأس به من القصص القصيرة والروايات، حاول من خلالها التأريخ على طريقته لتلك الفترة التي عاشتها روسيا الشيوعية، تمثَّل في مختارات قصصية صدرت أخيراً عن المجلس الوطني للثقافة والعلوم والفنون في الكويت، بترجمة يوسف نبيل باسيليوس، ومراجعة أشرف الصباغ.


ويصعب فصل زوشينكو عن التاريخ الذي عاصره، لا لمجرد الاتكاء على الفكرة الفوكوية التي تقول إن الكتابة ما هي إلا انعكاس للثقافة السائدة في عصر ما، وأن الكاتب ما هو إلا أداة طيعة في يد التاريخ، فمعظم تلك الكتابات -على الأقل ما وصل إلينا بالعربية- تحتل فيه السياسة المركز من كل شيء بينما يبدو الناس كشخوص هامشيين ومجرد عابرين على هذا المركز ليس إلا.

بناء على الوجهة الكلاسيكية للتأريخ، فإن التاريخ ما هو إلا السياسة والناس ما هم إلا انعكاسات على صفحة ماء رائق لكل ما هو سياسي، بيد أن هذه النظرة لم تعد هي الوحيدة إذا أخذنا في الاعتبار النظرة الحديثة لعلم التاريخ والتي تأخذ في حسبانها تأريخ الناس جنباً إلى جنب مع تأريخ الحكام، وإذا كان القارئ بصدد تناول قصص زوشينكو بالمدح والذم والتحليل، فمن المفترض أنه سيكون في مواجهة الأدب لا التاريخ. إلا أن ما يحدث هو العكس من ذلك تماماً وهو الوقوع في فخ التاريخ وليس أي تاريخ سوى ذاك الكلاسيكي الذي يرى الناس باعتبارهم نتاجاً محضاً لسلوك الحكام ليس إلا. ولذلك فليس مستغرباً أن يعاين المرء شخوص زوشينكو وحبكاته وطريقة توليده للأحداث والأزمات ككيانات فارغة مسطَّحة لا تحوي أي عمق سوى أن المراد لها منذ البداية -عن قصد أو غير قصد- هو أن تكون رداءات شفَّافة لجسد أكبر يملأ المشهد وهو السياسة.

إذا استعرض المرء قصص زوشينكو من البداية إلى النهاية؛ سيلحظ هذا الحس الساخر من الوضع الذي صار إليه الشارع الروسي والمواطن الروسي في ظل حكم السوفيات، وهو نوع من السخرية اللاذعة لأديب ناقم على الأوضاع السياسية لبلاده في ذلك الوقت، وهو أمر مشروع طالما بقي المرء ولو للحظة على الحياد من أيديولوجية زوشينكو وتلك التي لحكام روسيا البلشفية. إذ بات من المعروف الآن أنه لا فكاك من الأيدولوجية طالما شربنا وأكلنا وتحدثنا ككائنات إنسانية، لا تعرف التصرف إلا في حدود الأيديولوجيا التي تحكمها.

وهو ما يعني أن الأدب هو الآخر لا يمكنه الفكاك من هذه الفخاخ، إلا أن النص -أي نص- طالما خلعت عليه سمة الأدب لا بد أن يكون متميزاً عن حقل العلم والسياسة بامتياز أصيل وهو أن يكون الإنسان الفرد هو المركز في هذا النص. وهو ما يختلف كلياً عن أن يكون وصف وتحليل الظروف الموضوعية هو المركز بحد ذاته. وهو الفخ نفسه الذي وقع فيه زوشينكو؛ حين جعل الظرف الموضوعي في قلب نصوصه ومحركاً لشخوصها ومتمثلاً فيها. ولذلك ونحن نعبر على حكايات الناس العاديين داخل قصص زوشينكو، فإننا لا نعاين عامة الشعب، كما أراد المؤلف لقصصه أن تكون عنهم، بل بالأحرى وأثناء عملية القراءة للجزار والبائعة والموظف البسيط وقاطني البيوت المشتركة وراكبي الترام والمرضى في المستشفيات العامة، لا يرى القارئ سوى غلالة مسطحة عن هؤلاء الناس ولا يتجلى خلفها سوى رجال الحزب وكبار الموظفين والمسؤولون الحكوميون على رغم أن هؤلاء الأخيرين لم يرد لهم أدنى ذكر في قصص زوشينكو التي بين أيدينا في هذا الكتاب. بمعنى آخر، فإن زوشينكو حين أراد أن يتحدث عن البسطاء خانته ذاكرته وتحدث عن النخبة من خلالهم، وربما هو معذور نتيجة لضعف قدراته الأدبية أو لكونه ظل محدوداً داخل هذه الأعمال تحت سقف الكاتب الساخر. هو لم يستطع الخروج عن هذا الإطار، وذلك أمرٌ محمود، لجهة أن يكون الكاتب ساخراً عظيماً. لكن ما هو غير محمود أن يتم تصديره داخل هذا الكتاب باعتباره أحد أعظم أدباء روسيا. فالقصص التي تتضمنها المختارات هي أقرب إلى المقالات، أو كان لا بد لها أن تكون منذ البداية مجرد مقالات تنشر في جرائد سيّارة.

سيكون المرء ظالماً حين يخرج أدب زوشينكو من زمنه التاريخي ويصدره للناس باعتباره أدباً عابراً للأزمان. ومن الظلم أيضاً أن نحاكم زوشينكو باعتباره أديباً لا كاتب مقالات، لكن من الإنصاف أن يضع القارئ يديه على القليل النادر من تلك القصص التي من الممكن أن تخلع عليها سمة الأدب ولفظه، وهي جد نادرة في هذا الكتاب وتظهر بجلاء في القصص الطويلة. ما يميز هذه القصص هو أن شخوصها كاملة الهيئة والأبعاد في مركز النص؛ لا السياسة. وسيكون من الإنصاف أيضاً أن نفترض احتمال أن يكون هنالك الكثير من القصص التي لم تترجم لزوشينكو بعدُ، على هذا القدر من الإحكام الأدبي، وربما سيكون حينها معظم العيوب التي سيوصم المؤلف بها ناتجاً مِن سوء الاختيارات المصاحبة لعملية الترجمة.

سيزيد الأمر إثارة عند مقارنة الناس في قصص تشيخوف الذين هم من دم ولحم، بأولئك المجوفين في قصص زوشينكو التي بين أيدينا بالعربية الآن. وعلى رغم أن السياسة حاضرة بقوة في قصص تشيخوف؛ إلا أنها نتاج للإنسان الفرد، وهذه هي سمة الأدب. إلا أن الإنسان في قصص زوشينكو لا يبدو سوى نتاج للسياسة. وأخيراً، ربما لا يكون الشروع في نقد الشيوعية كافياً لإنتاج أدب جيد. كما أن الكفاح السياسي لكاتبٍ ما؛ ليس كافياً لوصفه بالأديب العظيم.