جاذبية العيش في شعرية الدنماركي نيلس هاو

نديم الوزه |

عانى الشاعر الدنماركي نيلس هاو (1949) على ما يبدو من عزلة الشِّعر والشعراء، ومن خسائر معيشية ليبقوا شعراء، ولا يعملون أيّ شيء آخر. إنّ ما يكتبه كما تبرزه المختارات الشعرية التي ترجمها عن الدنماركية الشاعر جمال جمعة بعنوان «حين أصير أعمى» حول ذلك يفضح الاستبداد المخفي الذي تعيشه البشرية حتى في أكثر المجتمعات حرية. وقد لا يكون هذ الاستبداد سلطة إيديولوجية أو بوليسية، بقدر ما يكون طريقة عيش موضوعية، فرَضتها مرحلة تاريخية من التطور التكنولوجي، والتشيؤ في استهلاك المتعة والأمتعة. حتى يمكن القول إنّ ما يكتبه هذا الشاعر يشي باستشراف جديد لقيم ما بعد الحداثة تنتصر لحريتها، وتحاول أن تحدّ من طغيان آلياتها الروبورتية، وسجونها اللامرئية في الوقت نفسه. وقد لا يستطيع نيلس أن يفعل أكثر من الاحتجاج على شكل الحياة الحديثة، ورؤاها العدمية، التي دمّرت الشاعر، واعتقلت القصيدة، إلا أنّه لا يفتقد الحذاقة في الجدال حول ضرورة الشعر، والفنون بعامة، حتى لو بدا كلّ شيء في هذه الدنيا فانياً وإلى زوال، ذلك أنّ: «ما هو حاسم ليس أن تكونَ الروحُ خالدة بل أن تكونَ لك روح». ومع أن ارتباط مفهوم الروح بالآداب والفنون قديم، واتخذ بُعداً ميثولوجياً منذ البداية، إلا أنّ ما أقوله، هنا، يقتصر حول الشاعر وشعريته.


ولكي يفعّل نيلس شعريته هذه، ويجعلها دائمة الحضور في الذائقة المعاصرة يحرّرها من سلطة الحداثة بمدارسها الكبرى كالرمزية وتفرعاتها الانزياحية ولاسيما السريالية منها. ومع ذلك لا يتركها دائماً لبعض قيم ما بعد الحداثة المتلاشية: عارية، وبدائية، وفوضوية. بقدر ما يقدم نقداً عقلانياً لأطروحاتها الجمالية، اعتماداً على معرفته بمنجزاتها وإبداعاتها. وربما أوّل ما يواجهه الشاعر هو مسألة التجريد، كمعادل للتشيؤ الآلي والإلكتروني. وما اتخاذه ثيمة العمى منطلقاً لقصائد عدة إلا ليشرح أنّ الأفكار الرمزية في تجرّدها إنما تتجرّد من المشاعر والانفعالات وتصبح شيئاً جافّاً، وبلا روح، وـيحتاج إلى إعادة تأهيله من خلال الحياة وعيشها. فلا حاجة للبرهنة على تراسل الحواس، مثلاً، بتوهّم ألوان للحروف كما فعل الشاعر الفرنسي إرتور رامبو طالما أنّ ذلك يمكن من خلال حكايته للعبة الغميضة مع بنات عمّه الثلاث حين: «ربطنَ عينيهِ بمنديل وأدرنْه حول نفسه/ هذه اللعبة يعشقُها/ طوال ما بعد الظهيرة كان سعيداً في عتمته/ متهوراً ولا يكلّ. حدودٌ وقد اجتيزت/ لامس وجوههنّ المتوردّة/ يداه كانتا سعيدتين/ وكان يرغب فقط أن يستمرّ/ حينما بلا رحمةٍ فككن العقدة/ وأزحن المنديل عن عينيه/ توقّف منذهلاً وعلى وشك البكاء/ مصدوماً بالضوء الذي جعله للحظة واحدة أعمى تماماً». وبالطريقة التجريبية ذاتها، يتناول عمَى خورخي بورخيس. حين يقرؤه من خلال عماه في أواسط الخمسين من عمره، وأثر هذا العمى في كتابته، حينما تخلّى عن الإبداع ليكتب ديباجات تلتقي والفردوس المفقود لجون ميلتون الذي أصابه العمى في الأربعين. وربما لبراعة خورخي في تأليف ديباجاته أصبح أعمى «بالقدر ذاته الذي كان فيه بيتهوفن أصمّ». لولا أنّ التراسل بين البصر والسمع يبدو أكثر إثارة، حين يتناول مقولة متداولة عن الحبّ الأعمى في شكل آخر: «بعينين مغمضتين أهمس في التليفون». لتّتضح جماليات قصيدته في ما هو حسّي، وناتج من التفكير فيه، وينبغي اشتباك حكايته المعيشة مع تاريخ الشعر وحاضره. هذا التشابك قد يكون الجاذب الأهمّ للشعر في العصور كافة، وإنما يختلف من عصر إلى آخر وفق طريقة التفكير وتطوّره، وطريقة الحكي والإنشاد وتطورهما إلى الشعر الحرّ أيضاً. وربما هذا ما يجعل قصائد نيلس مقروءة ومحتفى بها من عشّاق الشِّعر في أية لغة يترجم إليها، لأنها مشغولة بما يمكن أن يعيشه الناس في كلّ مكان ببساطة الشاعر وفرادة رؤيته لأشيائهم، وعلائقهم الشائكة، وكذلك علاقاتهم الحميمية التي قد تتشابك أيضاً مع علاقاتهم الثقافية: «نحن نسكن الآن مثلما في رواية روسية كتبها شِعراً ألسكندر بوشكين/ نحن من يغيّر علامات الطريق/ لكننا فقراء وننام في السرير ذاته/ وماذا أيضاً؟ أنتِ الآن اسمكِ ناتاليا/ وتتحدثين مثل شخصٍ مجنونٍ مجنونٍ مجنون/ وبوشكين في الواقع قُتل على يد عشيقها». وربما بسبب هذه الإثارة الفعلية قد يتجاوز القارئ نقيصة الترجمة حين تقضي على أحد ركائز قصائده وهي الإيقاع الصوتي، وهذا شيء قد يكون له مردود إيجابيّ في الإنصات إلى إيقاعات الشاعر الدلالية والتصويرية، باعتباره حكّاءً وجوالاً في قارات الأرض ومدنها.

ربما هروب نيلس المبكر من منزل العائلة، وتجواله المستمرّ، جعله يفكّر بالحدود الدنيا من العيش ومتطلباته. إنّه مهتمّ، بعد الاستحواذ على جماليات قصيدته، بما يجري حوله، ويدفع قصيدته إلى الكشف عن أن أي المناطق هامشية وبعداً عن مقاصد الشعراء المتأنقين. إنّ قصيدته قد تجيء سياسية أحياناً، لكنها تكره السياسيين. إنها غالباً ما تحكي الأشياء كما وقعت، ولكنها تحكي وقائع استثنائية، ويمكن أن تكون شعراً. إنها معنية بالوجود، وبما هو مرئيّ وملموس، لكنها تخاتل بقول الحكايات مثل تصديق حكاية الصحون الطائرة، أو عودة أبيه بعد الموت، أو قصة حبه لخمس نساء دفعةً واحدة رآهنّ في الباص، وتركنه على المحطة يدخّن بقليل من التعاسة. وقد لا تكون هذه المخاتلة سوى تحريض القارئ على الخروج من رتابة العيش والتفكير، والبحث عن مسالك جديدة للتواصل الحرّ، وليس من الضروريّ أن تحقّق له منافع آنية وحتمية.

إضافة إلى ذلك، تأتي أهمية ترجمة نيلس هاو إلى العربية، باعتباره يحاور الحضارة الأوروبية من موقع الأوروبي المتسائل والغاضب من حضارته. وربما تكون قراءته درساً إبداعياً في كيفية التفاعل مع هذه الحضارة باعتبارها مركزاً، مع أنّ ما ينقده هذا الشاعر أحياناً قد نكون - نحن العرب - بأمسّ الحاجة إليه مثل حاجتنا إلى الهاتف والتلفزيون والجرائد!