«هنا بدن» ... توثيق شجاع لواقع ما بعد الثورة المصرية

غلاف الرواية
عبدالكريم الحجراوي |

ما إن تطالع الصفحات الأولى لرواية «هنا بدن» (مركز المحروسة»، القاهرة) للروائية المصرية بسمة عبد العزيز؛ يصاحبك الشعور أنك دخلت في عالم «1984» لجورج أورويل، و«فهرنهايت 451» لراي برادبري، و«عالم جديد شجاع» لدوس هكسلي، وغيرها من الروايات التي تتناول الأنظمة الشمولية. «هنا بدن» تُصنّف ضمن ما يطلق عليه «أدب الديستوبيا» الذي يتعرض لمثل هذه القضايا ويعني المصطلح ذو الأصل اليوناني المدينة الفاسدة على عكس اليوتوبيا المدينة الفاضلة. تقع الراوية في 500 صفحة من القطع المتوسط وموضوعها دولة ليس لها اسم يعاني شعبها الفقر والجهل، وحكامها لا يتورعون عن ارتكاب أفظع الجرائم من أجل الحفاظ على مصالحهم، مستعينين بإعلام يتفنن في قلب الحقائق، ودعاة يفتون على هوى الساسة ورجال الأعمال النافذين. وتكشف الرواية في ذلك السياق عن عوالم مختلفة: عالم الرؤوس الجنرالات الجبارون، وقادة جماعة «الراية العليا» المتطرفة، وهناك «الأبدان» من أطفال الشوارع، ومن تابعي الجماعة نفسها ومن أولئك الذين يستخدمهم الجنرالات في تنفيذ مهمات قذرة. وتبدأ الرواية بقيام الجبارين باختطاف أطفال الشوارع ووضعهم في معسكرات، فيها يتم تدريبهم بشكل قاس، ودفن ذوي العاهات منهم في الصحراء. يقوم التدريب على غسل الأدمغة من أجل القيام بمهمات ضد معارضي «الجنرال إسماعيل» الذي يتاجر باسم الوطن والوطنية. ثم تنتقل الأحداث إلى «البراح» حيث المعتصمون من جماعة «الراية العليا»، احتجاجاً على انقلاب الجنرال على حكمهم، إلى أن تصل الأحداث إلى فض الاعتصام على يد «الأبدان» بمعاونة قوات نظامية. وفي كلا الطرفين؛ الرؤوس من الجنرالات، وقادة الجماعة الأصولية، يتم توظيف الدين لأغراض سياسية بحتة، وتكشف الرواية في هذا الإطار عن شخصيات نمطية تمالئ النظام في فتاواها ومثال ذلك الشيخ عبدالجبار؛ كبير المشايخ وأعلاهم مقاماً والذي أفتى بجواز قتل أطفال الشوارع لأن القانون الشرعي يقضي بدرء الضرر قبل جلب المنفعة. ولكن هذه الفتوى تتغير عندما أراد الجنرال إسماعيل الاستفادة منهم. يتحول عبدالجبار إلى جزء من مشروع الجنرال في غسل أدمغة أطفال الشوارع وإفهامهم أن كل من يعادي الجنرال إسماعيل هو من أعداء الوطن الممولين من الخارج، ويؤكد أهمية الطاعة. محاضراته في أوساط الأبدان لها مفعول السحر عليهم، ترفع معنوياتهم ولا تجعلهم يعصون أمراً للرؤوس، وتحثهم على تصديق قول الجنرال إنه انتزع السطلة بإرادة الله. أما الجماعة الأصولية فتكذب هي أيضاً على المعتصمين البسطاء، وتحثهم على تصعيد الخطاب العدائي غير عابئة بعواقب ذلك، وتوهمهم بأن مرشدها رأى الرسول في المنام يؤيدهم، ويخبرهم بقرب عودة الرئيس المختطف.


ومن الشخصيات النمطية في العمل نانيس النحاس؛ الإعلامية التي تعمل على تزييف الحقائق ونشر الأكاذيب والإشاعات عن «البرَاح»، من وجود أسلحة به، وقتلى تحت المنصة، ونكاح الجهاد، والتمهيد لفض الاعتصام الذي سينشر الأمراض والأوبئة، وأسطرة الجنرال الذي أنقذ البلاد من مصير أسود. وهناك رجل الأعمال «قدري عبدالحكيم» الذي أنشأ قنوات تلفزيونية لمساندة الزعيم، وقدم الطعام والسيارات لمعسكرات أولاد الشوارع السرية التي أنشأها الجنرال كجيش مواز من البلطجية. أما عادل الصباغ؛ المحسوب على جماعة «الراية العليا» فتربطه علاقة صداقة بقدري عبدالحكيم الذي يدعم اعتصام الجماعة سراً؛ لاعباً على كل الحِبال.

ومن الشخصيات المركزية في الرواية عايدة وزوجها مراد، اللذان انضما إلى الاعتصام لرفضهما فكرة الانقلاب العسكري، وحواراتهما تكشف أخطاء الجماعة الأصولية، خصوصاً في ما يتعلق باستغلال عواطف البسطاء الدينية. وبعد فض الاعتصام الذي تسبّب في قتل العشرات، تُرغم عايدة التي كان زوجها من بين القتلى، على الإعلان عبر وسائل الإعلام أن زوجها مات متأثراً بمرض عضال، وإلا ستُرسَل إلى السجن، لتلحق بالحقوقية أمينة، التي حذرت أطفال الشوارع مما ينوي أن يفعله الجنرال بهم، فكان مصيرها السحل على أيدي الأطفال أنفسهم قبل أن تغيب في سجن يشبه معسكرات النازي.

ولا يخفى على القارئ الجانب التوثيقي في الرواية لأحداث مرت بها مصر منذ 25 كانون الثاني (يناير) 2011 من إطاحة حكم الرئيس حسني مبارك، وتولي جماعة الإخوان المسلمين الحكم لمدة عام، قبل أن يطردهم الجيش من الحكم بمساندة شعبية، ويفض اعتصامهم بطريقة جرى انتقادها خصوصاً في الغرب. وتكشف الرواية كيف تكبت السلطة في البلاد القمعية المعارضين من خلال أطفال الشوارع، والإعلام الموجّه الذي يشيطن كل معارض للنظام أو يكشف جرائمه، بالإضافة إلى التظاهرات المصطنعة وغيرها من الوسائل غير الشريفة. وتنتهي «هنا بدن» بضرب معسكر الأبدان «أطفال الشوارع» الذين ساهموا في فض الاعتصام، والإعلان عبر التلفاز أنه معسكر مسلح تابع لجماعة «الراية العليا». وهكذا تسبر تلك الرواية أغوار شخصياتها نفسياً وتقدم الأسباب المنطقية التي تجعل كل شخصية تقوم بعمل ما، وربما لهذا السبب اختارت بسمة عبدالعزيز ضمير المتكلم لأحد أطفال الشوارع كي تكشف الانفعالات التي يمر بها بطل الرواية، كما أن تخصصها في مجال الطب النفسي، وتقديمها عدداً من الدراسات في علم النفس الاجتماعي والسياسي ساعدها على تقديم رؤية موضوعية لما تناقشه داخل الرواية.

كما أن لغة الرواية متميزة جداً، إذ وردت فيها تشبيهات أنثوية -إن جاز لنا هذا التعبير- الآتية من عالم المرأة وعالم الطبخ والأبناء والأسرة، والوصف لم يكن اعتباطياً وإنما جاء كاشفاً عن طبيعة الأحداث والشخصيات وطبقاتها الاجتماعية. وعموماً توثق هذه الرواية فترة مهمة في تاريخ مصر الحديثة بمنتهى الجرأة والشجاعة.