مسرحية لاستيفان زفايغ تحطّم أسطورة الشاعر المثاليّ

ملصق المسرحية (الحياة) من المسرحية
باريس - كاتيا الطويل |

يقدّم مسرح المونبرناس الفرنسيّ مسرحيّة الكاتب النمسويّ استيفان زفايغ (1881- 1942) «أسطورة حياة»، (La légende d’une vie) إخراج كريستوف ليدون، وهي من مسرحيّات زفايغ الأقلّ انتشاراً نظراً إلى أنّ المسرح العالميّ لم يسلّط عليها الضوء كما فعل مع روايات «24 ساعة من حياة امرأة» أو «لاعب الشطرنج» أو «الخوف» وغيرها. وعلى الرغم من أنّ هذه المسرحيّة تقوم على ثلاثة فصول قصيرة بعض القصر، متساوية من حيث القوّة والمدّة الزمنيّة (30 دقيقة لكلّ فصل)، فإنّها تتمكّن من تقديم عدد هائل من الأزمات النفسيّة والحياتيّة والوجوديّة التي يعاني منها أيّ ابن وأيّ زوجة وأيّ شخص شاءت الظروف أن يكون في حياة شاعر. وتتمكّن هذه المسرحيّة بنصّها المتين والمتوهّج من معالجة مسألة عزيزة على الأدب وهي مسألة وجود الشاعر أو الكاتب في المجتمع ونمط حياته والخسائر التي يتكبّدها المحيطون به من أجله ومن أجل حبّه للكتابة. فللكتابة ثمن باهظ، ثمن لا يدفعه الشاعر وحده بل المحيطون به أيضاً.


وتمكّن المخرج الفرنسيّ ليدون من إدارة مجموعة رائعة من الممثّلين، وبخاصّة الممثّلتين ناتالي ديسّي وماشا ميريل، اللتين أبدعتا في تأدية دوريهما فمرّت الممثّلتان بحالات نفسيّة ودراميّة عميقة تفاوتت ما بين الغضب الصاخب والحزن الوديع والنوستالجية المكسورة، وذلك بثقة وقوّة وتماسك.

عقدة أوديب والابن الذي لا يعرف كيف يتخلّص من ظلّ والده

تُظهر هذه المسرحيّة مرّة جديدة براعة زفايغ في سبر أغوار النفس البشريّة أيما براعة. ففريدريك شاعر شاب ورث عن والده الشاعر الذائع الصيت كارل فرانك هالة الشهرة والإبداع والنجاح، إنّما ورث معها أيضاً مأزق أن يضطرّ إلى التصرّف بمثاليّة تلائم الإرث الثقيل الذي خلّفه له والده. فبينما يرى الجميع فريدريك محظوظاً لكونه ابن الشاعر الأسطورة كارل فرانك، يرزح فريدريك تحت عبء صيت والده هو العاجز عن إكمال المسيرة وملء الفراغ الذي تركه والده عند وفاته.

وعلى أنّ التحليل النفسيّ للروح البشريّة يحتّم على أوديب أن يقتل والده ليتمكّن من النموّ والانتقال إلى مرحلة الرجولة، إلاّ أنّ والد فريدريك توفّي في أوج نجاحه وعطائه ومثاليّته حارماً ابنه فرصة أن يجد فيه عيباً. فكارل فرانك هو مثال الوالد المحبّ والشاعر المتميّز والإنسان المثقّف. كارل فرانك هو كابوس ابنه فريدريك الذي يعجز عن أن يفوز على والده في الحياة وفي الشعر. حتّى إنّ الديكور نفسه يركّز على مكانة الوالد السامية، فيجعل المخرج الوالد كناية عن صورة ومقبرة مرتفعة بعيدة المنال يحدّق الجميع إليها بالنظر إلى الأعلى بتقوى وتمجيد، ما يساهم في ترسيخ صورة الوالد ككائن إلهيّ لا تمكن منازلته ولا يمكن حتّى الاستمرار في ظلّه.

وفيما يرى العالم في طيف الشاعر الرجل الفائق الإحساس والمرهف المشاعر، يقدّم جورج أورويل (1903- 1950) نظرة أخرى إلى هذا الكائن المشتّت الذهن الهشّ الوجود، فيصف أورويل الأدباء والكتّاب جميعهم بالأنانيّين والكسولين. ثمّ يأتي الأديب والمسرحيّ الفرنسيّ أوجين يونيسكو (1909- 1994) ليؤكّد أنّ الكاتب لا يملك إجازة في حياته، فهو يقضي أيّامه في الكتابة، وإن لم يكن يكتب فهو إنّما يفكّر بما سيكتبه لاحقاً. ليظهر الكاتب كائناً قاسياً يمحو المحيطين به ويوظّفهم متى احتاجهم ثمّ يعيدهم إلى صمتهم ولا وجودهم ليكتب ويخلّد اسمه على حسابهم وعلى حساب سعادتهم. ويتمكّن زفايغ من إبراز هذه المسألة بسلاسة ومنطق. فمن بعد أن كان كارل فرانك الشاعر الأسطورة والرجل المثاليّ في الفصل الأوّل من المسرحيّة، تأخذ صوته بالتدهور ليسقط القناع وتتجلّى مظاهر الأنانيّة عنده. فيظهر كارل فرانك ابتداءً من الفصل الثاني كائناً قاسياً أنانيّاً، كائناً قلقاً جباناً يضحّي بالمحيطين به من أجل كلماته وكتاباته ومسيرته. كارل فرانك الشاعر العظيم، مجرّد إنسان طموح لا يهتمّ سوى بنصوصه وقصائده ونجاحه الأدبيّ. كارل فرانك رجل لا يمتّ للمثاليّة بصلة، فقد فضّل الزواج من امرأة ثريّة على البقاء مع المرأة التي يحبّ فعلاً، وفي نهاية المطاف لم يتمكّن من إسعاد أيّة من الاثنتين.

وبينما تشيد الأمّة بشاعرها وبحياته وبكلماته الثاقبة المتوهّجة، تجلس الزوجة إلى مائدة الحزن وتستعيد حياةً بائسة أمضتها إلى جانب شاعر لم يكن يراها ولا يُعنى بها ولا حتّى يشعر بوجودها، فتصف حياتها معه بأنّها كانت حياة محفوفة بالخوف الدائم والمُقلق، وكأنّها سجّان يخشى أن يهرب سجينه منه في أيّة لحظة.

وبينما الزوجة تتذكّر ببؤس حياتها الزوجيّة، تروح المرأة المعشوقة والتي كانت الحبّ الأوّل، تروح تعود بذكرياتها إلى الوراء لتفضح مشاعر الوجع والصمت والحزن التي كانت تتأكّلها على مدار عشرين سنة. عشرون سنة من البؤس والحزن والوحدة والصمت عاشتها امرأتان في ظلّ شاعر لم يرهما ولم يعرف كيف يحبّهما.

وعلى رغم الألم الذي تسبّب به الشاعر، لا تلوم أيّ من المرأتين كارل فرانك على أخطائه، فهو شاعر. وللشعر والنجاح والكلمات ثمن. لا يمكن للشاعر أن يوجد إن لم يكن أنانيّاً وغارقاً في بنات أفكاره. لا يُمكن أن يُعاقب الشاعر على أخطائه وكأنّه كائن اجتماعيّ عاديّ. فتقع كلٌّ من امرأتي كارل فرانك في مستنقع الصمت والألم والوحدة والخنوع لمجرّد أنّ كارل شاعر ومبدع و «يحقّ للشاعر ما لا يحقّ لغيره».

لا يمكن لقارئ زفايغ أو للمتفرّج على هذه المسرحيّة أن يكره الشاعر على الرغم من الأذى الذي تسبّب به لأقرب الناس إليه. فزفايغ ينقل الحزن والألم والوحدة من دون أن يحكم على كارل فرانك. فأذى الشاعر هو أذى غير متعمّد يفرضه الخيال والإبداع ونمط الكتابة والتوق إلى الجمال والسموّ. وكما تقول الزوجة، في الحياة ما من أسود ولا أبيض، ما من سيء أو جيّد، الأمور معقّدة أكثر من ذلك والشقّ ضيّق ما بين الأبيض والأسود، ما بين الإنسان الطيّب والإنسان الشرّير. لا يُمكن أن يُلام المرء على أخطائه وأن يُحاسب بأوتوماتيكيّة باردة. في الحياة لا أسود ولا أبيض، إنّما خطّ رفيع وحبّ كبير يمحو الأخطاء ويبلسم الجروح ويمنح السلام من بعد سنين طويلة من الشقاء والصمت.