رحلة كويتية للبحث عن الذات

من فيلم «سرب الحمام» (مبتدا)
الكويت - شريف صالح |

اختتم مهرجان الكويت السينمائي دورته الثانية بعرض خمسة أفلام روائية طويلة داخل مسابقته الرسمية، فاز ثلاثة منها بجوائز مادية قيّمة وهي: «سرب الحمام» للمخرج رمضان خسروه، و «عتيج» لأحمد الخلف، و «صحوة» لمحمد صلاح المجيبل، ونال كل منها على الترتيب 29 ألف دينار، و14 ألفاً و11 ألفاً، بإجمالي 45 ألف دينار كويتي. ونظراً إلى محدودية المنافسة في تلك الفئة بدت النتائج متوقعة سلفاً.


وذلك على عكس المنافسة في فئة الفيلم الروائي القصير والتي شارك فيها عشرون فيلماً فاز منها على الترتيب: «الغرفة» لعمار الموسوي، و «حاتم صديق جاسم» لأحمد إيراج، و»كومبارس» لعبدالعزيز البلام. كما منحت لجنة التحكيم المكونة من عامر التميمي (الكويت)، طارق الشناوي (مصر)، بسام الذوادي (البحرين)، نادرة عمران (الأردن) جائزتها الخاصة لفيلم «بيت أبوي» للمخرجة نورة المسلم.

ومن واقع النتائج سعى المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (الجهة المنظمة للمهرجان) إلى منح جوائز مادية قيّمة دعماً لصنّاع السينما الكويتية. بينما فضلت لجنة التحكيم مساراً مغايراً موصية بتخصيص جوائز فردية على غرار المهرجانات العالمية كأفضل ممثل وممثلة ومخرج وكاتب. كما شددت اللجنة في توصياتها على انتظام إقامة المهرجان، مشيدة بالأفلام على رغم الإمكانات المحدودة.

لكن الملاحظ أن المهرجان تجاهل بالمطلق في دورته الثانية فئة الأفلام الوثائقية، على رغم أن الشباب يقبلون عليها لأسباب مختلفة، أهمها إمكان الحصول على دعم أو تمويل لها. وتم فتح الباب لمشاركة أفلام أُنتجت خلال آخر ثلاث سنوات، بعضها سبقت له المشاركة في مهرجانات عربية ودولية، تفادياً لمشكلة قلة النتاجات الكويتية.

لكن انتظام المهرجان يتطلب مستقبلاً أن تقتصر المسابقة الرسمية على نتاج العام السابق فقط، مع إمكانية فتح المجال لعرض أفلام عربية وعالمية ولو خارج المسابقة الرسمية. لأنه يصعب لأي مهرجان أن يتغذى فقط على نتاج محلي محدود. فثمة ضرورة للاحتكاك والانفتاح على تجارب عالمية وعربية.

الجمهور والضيوف

أقيمت جميع الأنشطة في قاعات المكتبة الكويتية الوطنية، ما وفر على الجمهور الانتقال وعدم التشتت بين أكثر من مكان، مع ذلك لم يخل الأمر من تضارب في المواعيد. كما أرجع البعض قلة الجمهور نسبياً إلى ضعف الدعاية والتسويق. يضاف إلى ذلك أن الجمهور الذي اعتاد لسنوات على السينما الأميركية والمصرية، ما زال ينظر بعين الريبة والتحفظ تجاه الفيلم الكويتي.

ولعل غياب النجوم والمشاهير بما لهم من قدرة على استقطاب الجمهور ووسائل الإعلام، كان من أهم أسباب اقتصار الحضور على صناع الأعمال وبعض المسؤولين والمهتمين بالشأن السينمائي.

كما اكتفت إدارة المهرجان بتكريم بعض رواد السينما والتلفزيون الكويتيين على رأسهم شخصية المهرجان المخرج والإعلامي الراحل عبدالله المحيلان الذي قدم عدداً من الأفلام الوثائقية، حيث أقيمت ندوة عنه، إضافة إلى تكريم مدير التصوير توفيق الأمير مصور فيلم «بس يا بحر» أشهر فيلم في تاريخ السينما الكويتية، والمخرج والإعلامي حافظ عبدالرزاق.

ولا شك في أن تكريم نجوم عرب وعالميين إلى جانب الرواد الكويتيين، كان سيساهم أكثر في تشجيع الجمهور على الحضور. وعموماً جاء عدد ضيوف الدورة الثانية أقل من الدورة الأولى.

ورش وندوات

في حفل الافتتاح ألقت الشيخة انتصار سالم العلي عضو اللجنة التحضيرية كلمة الأمانة العامة للمجلس الوطني وأكدت على أهمية المهرجان لتطوير صناعة السينما في الكويت ومد جسور التواصل بين الشعوب. ومن هذا المنطلق أقيمت ورش ومحاضرات عدة مجاناً لإتاحة الفرصة أمام الشباب للإستزادة المعرفية، منها ورشة «هاجس، فكرة، فيلم» للمخرج يعرب بورحمة، ومحاضرة «الصورة الذهنية بين الحقيقة والخيال « للناقد طارق الشناوي، ومحاضرة «الأفلام الروائية القصيرة في الكويت: التاريخ والتجارب» تقديم فيصل القحطاني، ومحاضرة «آفاق سينمائية» للمنتج هشام الغانم. لكن الملاحظة الأساسية تمثلت في تعارض مواعيد الورش والمحاضرات بما لا يتيح الفرصة أمام متابعتها جميعاً، حيث كانت معظم الأنشطة تقام ابتداء من الرابعة عصراً يومياً. ورأى بعض المشاركين في الورش أن مدتها قصيرة نسبياً لا تتجاوز ثلاثة أو خمسة أيام.

بين دورتين

منذ الدورة الأولى ثمة جدل حول مدى إتاحة الفرصة أمام الشباب للتعبير عن أنفسهم سينمائياً، وإلي أي مدى تتدخل الرقابة في فسح الأعمال، وكذلك دور لجنة المشاهدة. وفيما أكد الأمين العام المساعد لقطاع الثقافة في المجلس الوطني عيسى الأنصاري، أن الرقابة كانت مرنة جداً ولم يتم حجب أي فيلم، فإنه من الملاحظ أن عدد الأفلام المشاركة عموماً كان أقل عن الدورة الأولى التي شارك فيها 34 فيلماً، من بينها فئة الأعمال الوثائقية، كما تضمنت نحو 14 ورشة ومحاضرة سينمائية. ما يعني أن مقارنة بسيطة بين الدورتين، تكشف أن الأولى كانت أكثر نشاطاً وأكبر حجماً، على مستوى عدد الأفلام وفئات الجوائز، وعدد الضيوف، وكذلك الأنشطة المصاحبة. رغم أن الدورة الثانية تأجلت من آذار (مارس) الماضي إلى تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، ما يمنح وقتاً أطول للتحضير.

ومن الواضح أن إلغاء بعض فئات الجوائز، وغياب أي سينما غير كويتية، وقلة عدد الضيوف عموماً، يشير إلى محدودية الميزانية التي يذهب معظمها كجوائز. وهذا أمر مفهوم قياساً إلى أن المهرجان يقام بدعم من جهة حكومية ترعى أنشطة ومهرجانات، ربما فوق طاقتها. وهذا أدعى إلى التفكير عند التحضير للدورة الثالثة إلى إشراك القطاع الخاص في إدارة وتطوير المهرجان ووضع الميزانية التي تكفل له الاستمرار.

مواضيع الأفلام

بحكم أن الأفلام جميعها محلية، فلا شك في أنها مشغولة بالدرجة الأولى بالتعبير عن بيئتها وسياقها الثقافي، ففيلم «سرب الحمام» الفائز بالجائزة الأولى في فئة الأفلام الروائية، تناول اللحظات الأخيرة من غزو صدام حسين للكويت، ودور الـــمقاومة الشــعبية في صد العدوان.

أما «عتيج» الفائز بالجائزة الثانية فتناول الحياة الاجتماعية من منظور طريف نسبياً، يتعلق بقصة «مسباح» باهظ الثمن، وانتقاله من يد إلى أخرى، عاكساً الفروق الطبقية في المجتمع الكويتي، والصراع بين الأجيال.

ولعل حظوظ الفيلمين في الفوز يقف وراءها مشاركة ممثلين محترفين ومعروفين منهم: داود حسين، جمال الردهان، وبشار الشطي، في الفيلم الأول، وكذلك خالد البريكي وهيفاء عادل وصلاح الملا في الفيلم الآخر.

وإجمالاً لم تتجاوز قصص الأفلام القصيرة والطويلة النطاق الاجتماعي، بما فيه من صراعات بين الآباء والأبناء والرغبة في إثبات الذات، ومشكلات البطالة والظواهر المرتبطة بشبكات التواصل الاجتماعي.

ومثلما يسعى المهرجان عبر دورتين إلى البحث عن مسار لنفسه، بين مهرجانات عريقة وأخرى تحظى بميزانيات مفتوحة... حاول صناع تلك الأفلام البحث عن الذات والهوية في عالم سريع التحول.