فقه إدارة المياه وآدابها والحاجة إلى التجديد

(الحياة)
إبراهيم البيومي غانم |

يقرر كابونيرا مؤلف موسوعة قوانين المياه في البلدان الإسلامية (انظر مقالنا عنها بجريدة الحياة 20/10/2018) أن الرسول صلى الله عليه وسلم، قد وضع مبادئ ملكية المياه وآداب التصرف فيها. ومن تلك المبادئ والآداب انطلق أئمةُ المذاهب في اجتهاداتهم بشأن المياه، قديماً، واعتمدها معظم واضعي تشريعات المياه وقوانينها في البلدان الإسلامية في العصر الحديث. وكان أساس الاجتهادات الفقهية بشأن المياه هو مبدأ الشراكة فيها ومنع بيعها إلا استثناءً، وتجريم تلويثها وتحريم احتكارها. واعتبروا منع المياه عن شخص عطشان جريمة يعاقب عليها الشرع. وأن للعطشان أخذ ما يحتاج إليه من المياه ولو عنوة.


قد يكون إقرار حق العطشى هو أول الحقوق التي أقرتها الشريعة الإسلامية في هذا الباب حرصاً على حق الحياة. ويتيحُ هذا الحق أخذ المياه لري الظمآن، وسقي الحيوان. وهذا الحق أقرته المذاهب الفقهية مجاناً وفي كل مكان. وهو محدد بحقوق الارتفاق وفق ثلاثة معايير هي:

أ- الحجم الكبير من المياه: الأنهار، والبحار، والبحيرات، وينابيع الجبال. يكون حق الشرب منها مجاناً للإنسان والحيوان كيفما شاء، مع مراعاة حقوق الارتفاق. ويحظر أخذ رسوم مرور للمضطر إلى عبور ملكية شخص آخر ليصل إلى المياه الغزيرة.

ب- المياه المخصوصة التي يملكها عدد من الأشخاص. يكون حق سقي العطشان مصاناً، ويعوض أصحاب المياه عن أي ضرر يلحق بشواطئها بسبب أقدام الماشية.

وبالنسبة إلى المياه المملوكة ملكية خاصة لشخص واحد، فملكيته تحجز مياهَه عن الآخرين. والأحناف أقروا حق الشرب في حالة الضرورة، وإلا كان للظمآن حق استعمال القوة إذا منعه صاحب المياه. وهذا مسموح به فقط عند وجود مخزون من المياه. أما المالكية فيقرون حق الشرب، ولكن إذا كان للشخص مال فعليه أن يدفع لصاحب المياه عوضاً عن المياه التي يأخذها. والشافعية والحنابلة يسمحون بحق الشرب بشروط تفضيلية من دون عوض.

وبالنسبة إلى أنواع المياه الأخرى: مياه الآبار والعيون المحفورة في أراض ليست مملوكة ملكية خاصة؛ فإنه يجب أن تُستخدم المياه بمراعاة مصالح كل الأطراف. فالآبار والعيون المحفورة للمصلحة العامة تتاح مياهها للجميع. وفي حال الندرة تسقى المواشي فقط بعد أن يستوفي الآدميون حاجاتهم. أما الآبار التي حفرها البدو: فهي من حقهم طوال إقامتهم حولها، وليس لهم منع الظمآن منها. وبعد مغادرتهم تصبح الآبار ملكية عامة.

وتطبق قاعدة «من يأتي أولاً يشرب أولاً»؛ وفق ما ورد في الأحكام السلطانية للماوردي مثلاً. والأولوية في الشرب للشخص الذي يعاني أكثر من غيره من نقص المياه. وللذي حفر البئر. ثم للمسافر الذي سأل من حفر البئر ليمده بالماء بآلة تساعد في استخراج المياه. ثم للسكان المحليين المقيمين قرب مصدر المياه. ثم لحيوانات الشخص الذي حفر البئر. ويلي ذلك حيوانات الشخص المسافر. وحيوانات السكان المحليين والمقيمين في المنطقة المحيطة.

وعند الشيعة: فإن حقَّ الشرب محصور في المياه العامة الآتية من الآبار والعيون العامة. وفي حال المياه الخاصة لا أحد سوى مالكها يستخدمها. ومن يأخذها عليه ردها بالكمية ذاتها. ويعتمد الإباضية مبادئ السنة ذاتها، ويستثنون فقط المياه المحفوظة في قرْبةٍ، أو جلد ماعز من حق الشرب.

وبالنسبة إلى حق الري؛ أو سقي الأرض والأشجار والنباتات، تؤكد مذاهب السنة على حقوق أساسية عامة وأخرى خاصة. أما الحقوق العامة فهي للمجتمع وأهمها: حق المجتمع في الري الذي ينطبق فقط على المساحات الكبيرة من أراضي المباح. ويجب التمييز بين الحالات الآتية:

أ- مياه البحيرة التي يمكن استخدامها لكل أغراض الري من دون أي اعتراض.

ب- مياه نهر يمكن استخدامها لكل الأغراض والتي تتسبب في أضرار للمجتمع.

ج- مياه المطر المتساقط على الأرض من دون مالك. فهذه المياه هي في متناول أي شخص للري. ومالك الأرض المزروعة له أولوية. ولا نظام في حالة تعدد الأرض قرب المياه. ومالك الأرض والأكثر احتياجاً يأخذ أولاً.

وأما الحقوق الخاصة فهي حقوق الري للأفراد. وقد تكون موضوعاً للتخصيص ويجب التمييز بين:

أ- أنهار صغيرة: حيث يتعين تخزين المياه حتى ترتفع إلى المستوى المطلوب. وهناك مبدآن لتنظيم الري: الأرض الأعلى مستوى تُروى قبل المنخفضة عنها، على ألا يرتفع منسوب المياه عن رُسغِ قدم الإنسان في حالة ندرة المياه. ويعتبر الشافعية أن المياه الفائضة فقط هي التي يجب أن تمر للأرض المنخفضة. ويقول المالكية إن صاحب الأرض الأعلى مستوى ليس له أن يسد المياه بعد أن يروي، وعليه أن يسمح بمرورها لري الأرض المنخفضة. وإذا لم يحدد صاحب الأرض المنخفضة موعداً لريها؛ فليس على صاحب الأرض المرتفعة أن يدفع أي تكاليف لأي أضرار تلحق بالمسقى؛ سواء أساء أو أحسن استخدامها أو تطهيرها.

ب- قنوات المياه: إذا كانت مملوكة لمجموعة من الناس حفروها ولهم حق حصري في الري منها ويتعاونون في أي إصلاحات أخرى مثل بناء الجسور والقناطر؛ فإن استخدامها يكون باتفاق متبادل بين كل المستخدمين بأنفسهم أو بمن ينوب عنهم ( كما قرر ابن عابدين مثلاً) ولو ركَّبوا مانعاً يمنع المياه، وكان في هذا المانع فتحات للمياه يجب أن تتناسب كل فتحة مع مساحة الأرض، وأخذ الدور في الري يكون بالساعات إذا كانت المياه وفيرة أو باليوم إذا كانت قليلة. ويكون الدور بالاتفاق أو بالقرعة.

وبالنسبة إلى حساب الوقت المناسب لنوبة الري: يستخدم المالكية الساعة الزجاجية للسماح بتحديد أنصبة أصحاب المساحات المختلفة في معدل تدفق المياه. ولكل الملاك المطلين على النهر حق عمل فتحات يُتفق على حجمها فيما بينهم.

ج- الآبار: عند حفر بئر سواء في أرض مملوكة، أو مباحة؛ يصبح الماء ملكا لمن حفره بمجرد إتمام الحفر. والملكية من طريق الاستعمال محل خلاف بين المذاهب. والذي قام بالحفر له حق الري وحده وليس مطلوباً منه أن يمد المياه لري أراضي الغير. وقد فرقت المذاهب بين عدة حالات بالنسبة إلى مد المياه لري أراضي الغير:

فالمالكية يقولون بوجوب منح المياه الفائضة لأي مالك بئرٍ طُمر بئره بسبب خارج عن إرادته. أما إذا طُمرت البئر بسبب الإهمال فقد يكون له الحصول على الفائض فقط بمقابل مادي. والشافعية يقولون إن من لديه فائض مياه للري يلتزم بإعطائها للآخرين. والحنفية: يرون أنه لا يوجد أي إلزام يمكن فرضه على مالك المياه (كما قال أبو يوسف في الخراج).

د- الينابيع ومياه الأمطار: من حفر بئراً في أرض غير مملوكة يكون له حق حصري في الري منها. وتكون مياه الأمطار مملوكة لمالك الأرض التي هطلت عليها. ولا يمكن منع مياه الآبار أو الأمطار مهما كانت كميتها عن أرض بها محاصيل توشك على الهلاك من شدة العطش.

وفي هذا السياق قرر الفقهاء أن المِلكية طويلة المدة لحق الري يمكن فقط إسقاطها من المستفيد عند تقديم دعوى بهذا الحق مصحوبة بالأدلة التي تدعم دعواه، ولحين أن يفعل ذلك تظل كلمة المالك الفعلي سارية. وإذا مورس حق الري من بئر لا يملكه دون إذن، فلا يحق له أن يسترد أي حقوق له؛ لأن الملكية تنتقل فقط بصك رسمي. ويكون إقرار الوضع القائم ووضع اليد فقط في حالة الغموض، أو عدم معرفة صاحب الحق الأصلي. ويرى الشيعة أن حق الري يكون لمالك المياه، ولا إلزام عليه للغير ولا للمجتمع.

وتقرر أغلبية المذاهب أن الينابيع والآبار ومياه المطر لا مشكلة في توزيعها حال وفرتها أو اتفاق مستخدميها، وخاصة عندما تكون متناسبة مع مساحة الأرض على طول القناة. أما إذا كانت مياه قناة الري من صنع الإنسان: فالمياه ملك من حفروها، والري يكون وفقاً للنفقات التي صرفوها في الحفر. وبالنسبة إلى القنوات الطبيعية: فأصحاب الأرض المتاخمة لها أولوية الري قبل غيرها. والأرض ذات المحاصيل يجب أن تغطى بالماء. أما الأشجار فيجب أن يكون جذعها تحت الماء. والملاك المتاخمون ليسوا ملزمين بمد المياه لأراضي نهاية المِسقَى إلى أن ينتهوا من ري محاصيلهم، حتى ولو كانت محاصيل الأراضي البعيدة تعاني من العطش.

ويتبع الإباضية مبادئ السنة في توزيع ماء المطر. فملاك الأرض يتقاسمون ماء المطر وفق حجم ملكية كل منهم. والمتاخم له حق أول في الاستخدام- ولكن هذا الحق يتحول للأبعد إذا كان قد زرع أرضه أولا قبل صاحب الأرض المتاخمة. وبالنسبة لمياه الأنهار والمجاري ، يأخذ الإباضية بمبادئ أهل السُّنةِ نفسها. لكن توزيعها لديهم يختلف شيئاً ما. فالإباضية يرون أن لكل مالك حقلٍ حقَّ إقامة حاجز أو أكثر وله سحب المياه التي يحتاجها بثُمن، أو عُشْر، أو حتى خُمس الكمية المتدفقة طبقاً لمساحة وقيمة المنطقة المزروعة. دون اعتبار لموقع الأرض. ويتمتع مالك الحقل الأبعد- الذي يلي المستخدم الأول- بحق أخذ كمية المياه التي لا تتجاوز خمس المتدفق أمام حقله. وهكذا بالنسبة للآخرين من بعده. ويُفضل أن تبقى المياه ملحقة بالأرض ومتاحة للشركاء. وأيضاً مسموح ترك المياه دون الأرض وريها وفق اتفاق تقسيم المياه. ولأي شخص غير مشارك في مصدر المياه أن يمر عبر شبكة الري دون أن يتسبب في أي ضرر، ولكن لاحق له في حفر حفرة أو سد المجرى بالأحجار أو أي شيء آخر. وبعضهم أجاز الحفر العميق بمقدار ثلاثة أصابع أو بمقدار ما يشقه المحراث في الأرض.

لقد أحدثت تلك الاجتهادات نقلة نوعية هائلة في مسار التطور الحضاري والتمدن العمراني بوجه عام. وقد استوعبتها أغلب تشريعات المياه في التاريخ المعاصر لبعض البلدان الإسلامية. وتتجلى أهمية ما أحدثته تلك الاجتهادات بالنظر إلى المصادر البعيدة في عصر الجاهلية وقبل ظهور الإسلام؛ حيث لم تكن هناك قواعد مستقرة لتنظيم استخدام المياه، وكانت القوة هي أساس هذا القانون. وكان بيع المياه شائعاً وكان امتلاك مصادر المياه هدفاً للصراعات القبلية الدموية.

وقد انتهيت في دراسة قدمتها لندوة «فقه العمران/مسقط 3-6 نيسان/ أبريل 2010) عن «فقه إدارة المياه وحماية البيئة في نظام الوقف الإسلامي» إلى أن الفقه الإسلامي القديم- بمختلف مذاهبه- قد أدى ما عليه وزيادة في هذا الموضوع، ولكن الفقه الإسلامي المعاصر مطالب بأداء دوره في تجديد الاجتهاد في موضوع المياه وقضاياها؛ إذ لا يزال فقه المياه بتطبيقاته الواسعة شبه غائب عن اجتهادات الفقهاء والمجامع الفقهية المعاصرة، وعن الدراسات الشرعية في المعاهد والكليات الجامعية. وعلى أساتذة الشريعة والفقه أن يبادر بعضهم بتدريب أنفسهم وبعض تلامذتهم على فن السباحة في بحور فقه المياه، خارج الحوض الضيق لمياه الطهارة والوضوء وغسل الموتى.