مصريات يشكّلن قدوات لأنفسهن في زمن بلا أيقونات

تختلف النظرة إلى القدوة وفق الظروف والأحوال والاهتمامات (إجيبشن ستريتز)
القاهرة – أمينة خيري |

بينما الرجال المصريون يعتبرون هذا الرئيس نموذجاً يحتذى لأنه قوي وحكيم وذكي، وينظرون إلى ذلك اللاعب باعتباره النجاح والأخلاق كما ينبغي، ويتابعون رجل الأعمال الفلاني لأنه يعيش الحياة بطولها وعرضها، حيث نجاح عملي وعلاقات نسائية متعددة وقوة وهيمنة وسيطرة متشابكة الخيوط، تقف النساء من دون قدوة واضحة أو أيقونة طاغية أو مثل أعلى يعتبرنه غاية المنى والأمل كله.


يكمن أمل كريمة الأكبر في حصولها على شقة من شقق الإسكان الاجتماعي الذي تقدّمها الدولة للمتزوجين الجدد من أصحاب الدخل المحدود. وهي تحلم بالشقة حتى تكبر ابنتاها في وضع اجتماعي ومعيشي معقول، إذ إنها تقيم مع والدتها في شقة صغيرة وتشكو من ظروف ضاغطة. تقول بعد تفكير طويل أن مثلها الأعلى «نفسها». لماذا؟ لأنها لا تحلم بأن تكون هيفاء وهبي أو مدام كوري أو أم كلثوم أو رابعة العدوية. هي تأمل بأن تعيش حياة عادية وإنسانية تتيح لها تربية ابنتيها تربية معقولة، ولا تستطيع أن تفكّر في مثل أعلى حولها تمكّن من تحقيق ما تطمح إليه.

خبيرة التنمية البشرية نهال سليمان تقول أن النماذج التي يعتبرها الناس قدوة أو مثلاً يحتذى عادة تكون قد حققت إنجازات أو تتمتع بمميزات تحتل مكانة الصدارة لديهم. وتوضح أنه «في أيامنا هذه قلّت الشخصيات القدوة والنماذج التي تعد مثلاً أعلى لأسباب كثيرة تتراوح بين انغماس كل منا في تفاصيل حياته المفعمة بالمتطلّبات، والتي تختلف كثيراً من شخص إلى آخر وفق الظروف والأحوال».

«ظروفي تختلف كثيراً عن ظروف صديقاتي وزميلاتي في العمل. فأنا أعمل في مجال التطوير العقاري، حيث مبيعات الفيلات والشقق السكنية الفاخرة في منتجعات من فئة النجوم الخمس. والدخل المادي الذي أحققه تحلم به شابات كثيرات ممن هن في سني، لكني أحلم في أن أستقل بحياتي وأعيش بعيداً من والدي ووالدتي. وعلى رغم أنني أمتلك شقة قريبة من عملي، إلا أن فكرة الاستقلال المعيشي لا تزال غير مقبولة في المجتمع». حلم هدى (28 سنة) في الاستقلال يجعلها مؤمنة بأن ما تطمح إليه في محيطها لم يتحقق من قبل، ومن ثم ليس هناك اسم معين تنظر إليه باعتباره مثلاً أعلى تحتذيه. مفهوم المثل الأعلى في المجتمع المصري أضحى معرّضاً للانقراض، فضلاً عن كونه ذكورياً بامتياز. فالأسماء التي تظهر بين الحين والآخر باعتبارها قدوة وأيقونة على مدار الأعوام القليلة الماضية تراوحت بين فنانين مثل أحمد السقا ومحمد رمضان وأوكا وأورتيغا، ورياضيين في مقدّمهم محمد صلاح، وعلماء أبرزهم الدكتور مجدي يعقوب طبيب القلب الأشهر والراحل الدكتور أحمد زويل الحائز جائزة نوبل في الكيمياء. وقلما تظهر سيدة ضمن لوائح القدوة والمثل الأعلى وذلك باستثناء مجالين لا ثالث لهما.

المدّ الديني الطاغي في مصر منذ أواخر سبعينات القرن الماضي أوجد مجالاً يستمد منه كثر أيقونة ومثلاً تحتذى. وبدلاً من ذكر أمثلة أيقونية مثل أم كلثوم أو عائشة راتب (أول سفيرة وثاني وزيرة مصرية) أو نصيرة حقوق المرأة هدى شعراوي أو الكاتبة والناقدة سهير القلماوي أو حتى الممثلات سواء من جيل ميرفت أمين ونجلاء فتحي أو من جيل منى زكي ومنة شلبي أو ما بعدهن، اقتصر المتوفر من الأيقونات النسائية على أيام الإسلام الأولى.

تقول داليا حسين (38 سنة) العائدة من حضن إحدى الحركات الدعوية المتشددة إلى حياة القرن الـ21، أن جانباً كبيراً من الدروس الدعوية التي ظلت تواظب عليها طوال أكثر من 15 سنة، كان يدور حول قدوة النساء المسلمات. «بالطبع الأسماء التي كانت تطرح لم تخرج عن إطار أمهات المؤمنين ونساء النبي (ص) وغيرهن. وأتذكر مرة تجرأت إحدى الأخوات على توجيه سؤال إلى الداعية التي كانت تعطينا الدروس الدينية، وسألت إن كان في الإمكان أن تتخذ من سيدة مثل رئيسة وزراء بريطانيا الراحلة مارغريت ثاتشر مثلاً أعلى وقدوة لها، فتعرّضت للكثير من التبكيت واللوم لأن ثاتشر ليست من نساء المسلمين ومهما بلغ أولئك من نجاح وتفوّق وتفانٍ في العمل وتفرّد، فلا يجوز اتخاذهن قدوة أبداً».

وبين مفهوم متشدد وضيق لفكرة القدوة وآخر منفتح لكن ضيّق أيضاً لفكرة القدوة، تتذكر إيمان (42 سنة) بشيء من الحسرة القدوة التي أدت بها إلى الطلاق. تقول أن المصريات تعرضن لخطاب كراهية بالغ السوء في تسعينات القرن الـ20، وذلك عبر شاشات فضائية تخصصت في بث أغاني الفيديو كليب، مشيرة إلى «تعرّض المجتمع المصري لصدمة مظهرية عاتية حين أطلت علينا نانسي عجرم وروبي وإليسا ونيكول سابا ودومينيك وغيرهن. أصيبت كثيرات وكثيرون بصدمة بالغة. فقد شعرن بأنهن بعيدات من الشكل المثالي، وشعروا بأنهم يستحقون زوجات يطابقن مقاييس فتيات الفيديو كليب».

تكشف إيمان أنها غرقت في أحلام، ومن ثم محاولات للوصول إلى شكل يقترب من نجمات الفيديو كليب بعد ما أشعرها زوجها بأنها لا ترقى إلى مستوى النساء الجميلات. وبعيداً مما كان يفترض أن ترد به عليه، لا سيما أنه أبعد ما يكون من مقاييس نجوم السينما، إلّا أن الخلافات بينهما تفاقمت ووصلت إلى طريق مسدودة ووقع الطلاق. تذكر ضاحكة: «اتخذت من نانسي عجرم مثلاً أعلى وفقدت ثقتي في نفسي وسمحت لزوجي السابق بأن يمعن في زرع هذا الشعور الدوني. الآن تعلمت الدرس وأيقنت أن مثلي الأعلى هو أقصى ما يمكنني الوصول إليه في ضوء قدراتي وملكاتي، وليس في ضوء قدرات الغير وملكاتهم».

ملكات وقدرات وقدوات تحوم في فلك المصريات اللاتي وصلت كثيرات منهن خلال الأعوام القليلة الماضية إلى نتيجة قوامها أن الزمن ليس مواتياً للنظر إلى أخريات باعتبارهن قدوات، حيث لا تترك مشكلات الحياة الآنية فرصة التفكير والبحث، أو لثقة إضافية اكتسبتها النساء في أن يكن قدوات أنفسهن، أو لعدم وجود أيقونات في العقد الثاني من القرن الحالي.