«البلطجة» في أماكن العمل أشد ضرراً من التحرّش الجنسي

لا يترك التنمّر آثاره على الضحايا فقط، بل على المتنمِرين كمديرين وأصحاب عمل (بوهو فيوز)
نورا جبران |

ضحك الطبيب المختصّ في اضطرابات النوم، حين سمع اسم المكان الذي يعمل فيه الرجل الخمسيني، الذي جاء لإجراء فحص النوم، وعلّق قائلاً: «إذًا، ضحية جديدة من ضحايا ذلك المدير». ضحك الرجل، وأضاف: «فقدنا القدرة على النوم بسلام، هذه أبسط الحقوق والنعم!».


يشرح هارفي هورنشتاين، المستشار الإداري العالمي، والحاصل على درجة الدكتوراه في علم النفس من جامعة كولومبيا، السلوك الاستبدادي أو التعسّفي Tyrannical behaviour، لدى المديرين في العمل، في كتابه «المديرون المتوحشون وفرائسهم، Brutal Bosses and Their Prey»، بأنه سلوك يقوم على السيطرة المطلقة للمدير أو رب العمل، والإدارة بالبلطجة أو التنمّر والترهيب، وأنهم يصرّون أن تجرى الأمور في مكان العمل على طريقتهم، بدءاً من أقل التفاصيل، وحتى أكثر الأعمال تعقيداً. ويعامل هؤلاء المديرون موظفيهم كالأطفال، كما يرفضون أي مُداخَلات أو مساهمات يقدّمها الموظفون في طريقة العمل.

ويفسّر هورنشتاين، ذلك السلوك، بأنه مرتبط باضطرابات ذهانية وبالهوس الاكتئابي، واضطراب الشخصية النرجسية. والمديرون المتنمّرون، نوعان: المحتلون أو المهاجمون Conqueror، ويستمتع هؤلاء بإدارة مكان العمل كأنه ساحة معركة، ويتلذذون بشعور الموظفين بالضعف، مستغلين نقاط ضعفهم، والتي يحسنون تحديدها بدقة، كما استغلالها. والنوع الثاني، المتلاعبون أو المناورون Manipulator، وهؤلاء يخافون من أن يصبحوا أقل قيمة إذا اعترفوا بأن الموظفين يقومون بعمل جيد، فأي عمل جيد يقوم به الآخرون، يُعتبر مهدداً قيمتَهم. وهم معروفون بتوجيه الطعنات من الخلف، حيث يحرصون على أن تكون صورتهم جيدة دائماً.

ويعكس التنمّر ضعف ثقة المتنمر في نفسه، وضعف قدراته العلمية والإدارية، فضلاً عن اضطراباته النفسية الأخرى، ما يجعله مهووساً بالسيطرة. ويقوم المديرون المتنمرون بممارسات عدة، يمكن تحديدها بسهولة، ومنها الانتقاد غير البنّاء وغير العادل لعمل الموظف، وهو انتقاد قائم على انطباعات أو انفعالات وليس على أسس علمية أو منطقية، «أنا أرى ذلك لأنني المدير»، كما يقومون بإقصاء أو استبعاد موظفين، وإهمالهم والتقليل من شأنهم وشأن أعمالهم، والتعنيف اللفظي بما في ذلك السخرية والتهكّم. وهم يسرقون أو ينسبون الأعمال التي يقوم بها الموظفون لأنفسهم، ويُشعرون موظفيهم بالتهديد، وتحديداً تهديد فقدان الوظيفة أو الخصم من الراتب، أو تدنّي التقويم.

بالتأكيد تختلف حدة حالات تنمّر المديرين في أماكن العمل، من مدير إلى آخر، والحديث هنا عن المديرين المتنمّرين فقط، فليسوا جميعاً بالحدّة ذاتها أو درجة التنمّر. ولكن التنمّر في مكان العمل مهما ارتفعت حدّته أو انخفضت، يُعدّ من أهم المشكلات التي تواجه الموظفين، وأكثرها خطورة على الصحة النفسية والجسدية للموظف، فضلاً عن علاقته بأداء الموظفين وشعورهم بالانتماء إلى المؤسسة، وهي إحدى أبرز الأمور التي تدخل ضمن دراسات علم النفس التنظيمي Organizational psychology، الذي يستخدم المبادئ النفسية لحل المشكلات في مكان العمل، ويدرس إنتاجية مكان العمل والإدارة وأساليب عمل الموظفين، ويحلل شخصية المؤسسة وروحها.

يمضي الأشخاص الموظفون، جُلّ أوقاتهم في العمل، حيث تتراوح فترات العمل اليومي من 8 إلى 12 ساعة، وفي بعض المهن تصل ساعات العمل إلى 16. لكن تأثير هذه الساعات لا ينتهي بانتهاء ساعات العمل أو سنوات الوظيفة. فوفقاً لدراسات عدة متعلّقة بعلم النفس الوظيفي أو التنظيمي ترتبط مشكلات العمل بعدد من الاضطرابات النفسية، كأعراض اضطراب ما بعد الصدمة من القلق والاكتئاب والتوتر، والأعراض النفس عصبية Neuropsychological، أي المرتبطة بوظائف الأعصاب والدماغ والذاكرة، والنفس جسدية Psychosomatic، أي الاضطرابات النفسية المُسببة أعراضًا جسدية كالصداع ومشكلات الجهاز الهضمي والأمراض المزمنة كمشكلات ضغط الدم، والسكري والقلب واضطرابات النوم واضطرابات الطعام واضطرابات المزاج، وغيرها. فضلاً عن المشكلات السلوكية، كالعنف اللفظي والجسدي، وسرعة الغضب، واضطرابات العلاقات الأسرية والاجتماعية.

يؤثر التعرّض للتنمّر في مكان العمل، في دافع الموظفين، حيث يعانون من صعوبة في اتخاذ القرارات، وعدم القدرة على العمل أو التركيز، وفقدان احترام الذات، وانخفاض الإنتاجية. وهم لا يفقدون فقط قابليتهم للعمل، بل إنتاجيتهم أيضاً، وذلك لانشغالهم بالدفاع عن أنفسهم، وتجنّب التنمّر، والتشبيك للحصول على الدعم، والانشغال الذهني المستمر بالتفكير بالمشكلة، والتخطيط لكيفية التعامل معها.

وتشير الأبحاث السريرية المتعلّقة بالتنمّر في أماكن العمل، إلى أن المشكلة منتشرة ومؤثرة جداً، فقد وجد باحثون في جامعة مانيتوبا الكندية، أن البلطجة في أماكن العمل تسبب ضرراً أكبر للموظفين أكثر من التحرّش الجنسي. فمقارنة بضحايا التحرّش الجنسي في مكان العمل، أظهر الموظفون الذين يتعرّضون للتنمّر مستويات أعلى من القلق والغضب والضغط النفسي، والتزاماً أقل تجاه المؤسسة. كما وجد الباحثون في قسم الصحة العامة في جامعة هلسنكي، بفنلندا، أن زملاء العمل الذين يشاهدون زملاء آخرين يتعرّضون للتنمّر يعانون أيضاً، حيث تظهر نتائجهم أن ضحايا التنمّر وأولئك الذين يشهدون عليه هم أكثر عرضة لتلقي وصفة طبية للأدوية النفسية، مثل مضادات الاكتئاب، والمهدئات، والحبوب المنوّمة.

واتضح من خلال مراجعة قام بها باحثون من جامعة أونتاريو كوينز، في كندا، عام 2008، لـ110 دراسات، أجريت خلال 21 سنة، سابقة، وقُدّمت في المؤتمر السنوي لجمعية علم النفس الأميركية، أن ضحايا التنمّر عانوا من ظروف وتبعات نفسية وجسدية أشدّ وأسوأ ممن تعرّضوا للتحرّش الجنسي في أماكن العمل، ويُفسر ذلك بأن لدى ضحايا التحرّش شبكات دعم وطرائق مساعدة قانونية واضحة، إلّا أنه لا يوجد لدى ضحايا التنمّر هذا الدعم، حين يتعرّضون للإقصاء أو الإهانة، أو الانتقاد، أو السخرية من مواقفهم وعاداتهم وحياتهم الخاصة، والتعرّض للعدوان اللفظي.

لا يترك التنمّر في مكان العمل آثاره على الضحايا فقط، بل على المتنمرين كمديرين وأصحاب عمل، حيث انخفاض الإنتاجية، وبيئة العمل المعادية، وتعزيز التغيُّب، وإحراج القضايا والملاحقات القانونية، وزيادة استخدام الإجازات المرضية، ومطالبات الرعاية الصحية ودوران الموظفين، وتأكّل الولاء والالتزام، وتكاليف إضافية لتوظيف موظفين جدد وتدريبهم، إضافة إلى الصورة العامة والسُمعة السيئة للمؤسسة.

يحتاج الموظفون ضحايا التنمّر، والمضطرون للبقاء في أماكن العمل ذاتها، للحصول على رعاية نفسية مختصّة، لتعزيز تقديرهم لذواتهم، واحترامهم لأنفسهم، والحصول على الدعم العاطفي والاجتماعي الذي يساعدهم على تحقيق التوازن النفسي والصحي اللازم لحياتهم، وعدم عزل أنفسهم عن المحيط، بالانغماس كلياً في مشكلات العمل، من خلال إشغال أنفسهم باستراتيجيات تكيّف إيجابية، تتضمّن النشاطات البدنية، والترفيه، والالتفات لعلاقاتهم الأسرية والاجتماعية الداعمة. فالعمل على رغم أهميته الكبرى، إلا أنه جزء من الحياة، وليس هو الحياة، ولا ينبغي للجزء أن يطغى على الكل أو يُخلّ بتوازنه تماماً.