تدهور إنتاج السكر في كوبا يدفعها لاستيراده من فرنسا

بائع سكر في هافانا (أ ف ب)
هافانا - أ ف ب – |

بعدما تصدرت كوبا لفترات طويلة قائمة أكبر البلدان المنتجة للسكر في العالم، اضطرت هذه الجزيرة الكاريبية لاستيراد كميات كبيرة منه من فرنسا للمرة الأولى في تاريخها بعد موسم حصاد كارثي هذه السنة.


وصدّرت فرنسا 40 ألف طن من السكر إلى كوبا بين صيف 2017 وآب (أغسطس) الماضي، وفقاً لبيانات السلطات الجمركية، على ما أفادت وكالة «فرانس أغريمير» العامة الفرنسية المعنية بالمسائل الزراعية والبحرية.

وكشفت هذه المعلومة مدونة «14 إيميديو» الكوبية مشيرة إلى أن الجزيرة اضطرت سابقاً لاستيراد السكر من البرازيل.

في هافانا، انتشر الخبر سريعاً بين السكان الذين باتوا فجأة يحصلون مع الحصص الغذائية التقليدية على كميات سكر أكثر نعومة ولمعاناً من العادة. ففي فرنسا يستخرج السكر من الشمندر السكري فيما تنتجه كوبا من القصب.

وتقول فيليثيا نافارو وهي ربة منزل في الأربعين من العمر إن «السكر الذي سُلم إلينا لذيذ جداً وهو يتمتع بميزات تضاهي السكر الكوبي مع فارق وحيد في اللون إذ إنه أكثر بياضاً» مقارنة بالسكر الكوبي.

وتشير «فرانس أغريمير» إلى أن هذه المرة الأولى تاريخياً التي تستورد فيها كوبا السكر الفرنسي بكميات لا يستهان بها». إذ استوردت الجزيرة 5 آلاف طن من السكر الأبيض في حزيران (يونيو) و25 ألفاً في تموز (يوليو) و10 آلاف في آب، مقارنة بثلاثة أطنان فقط بين 2001 و2017.

ويعاني قطاع إنتاج السكر أزمة كبيرة في كوبا بعدما كان لسنوات طويلة أحد مداميك الاقتصاد المحلي.

وحتى عام 1989، كانت كوبا أحد أبرز مصدّري السكر في العالم وبقيت الولايات المتحدة أكبر زبائنها حتى عام 1960 وخلفها الاتحاد السوفياتي الذي كان يشتري السكر بأسعار تفضيلية.

ودخلت زراعة القصب السكري إلى كوبا من سان دومينغو على يد المستعمر دييغو فيلاسكيز، ولطالما شكلت مصدر إيرادات كبير للجزيرة. حتى أن فيدل كاسترو كان يشارك في الحصاد.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي ساهم في تدهور القطاع كما تفاقم الوضع سوءاً مع التراجع الكبير في الأسعار والنقص في الاستثمارات والبذور الزراعية والأسمدة والمبيدات الحشرية.

وتراجع الإنتاج من ثمانية ملايين طن سنوياً حتى بداية التسعينات إلى نحو مليونين اعتباراً من العقد الماضي.

كذلك تقلصت حصة السكر في صادرات الجزيرة من 73 في المئة في الثمانينات إلى 13 في المئة في 2015 ولم تعد تشكل سوى حصة بسيطة من المنتجات المصدّرة إلى جانب التبغ والنيكل خصوصاً.

وتضرر موسم الحصاد 2017-2018 بدرجة كبيرة جراء مرور الإعصار «إيرما»، وما أعقب ذلك من تساقط للأمطار لفترة طويلة.

وتوضح هيئة «فرانس أغريمير»، أن «بحسب معلوماتنا، يسجل إنتاج كوبا تراجعاً واضحاً مقارنة بما كان متوقعاً (1.1 مليون طن من السكر في مقابل توقعات بـ1.6 مليون) لذا من غير المستغرب أن تستورد كوبا السكر فيما لا يزال يتعين على هذا البلد الإيفاء بعقود التشغيل مع الصين (400 ألف طن)».

وتعوّل شركة «أف أو ليكت تايبل» البريطانية على العودة إلى معدلات الإنتاج الطبيعية في الموسم المقبل مع 1.5 مليون طن، وهو مستوى أدنى بكثير من ذلك المسجل في الثمانينات.

وتحمّل الحكومة الكوبية المسؤولية عن هذا الوضع المتردي إلى الحظر الأميركي المعمول به منذ 1962 والذي يمنع استيراد المعدات الزراعية والصناعية اللازمة.

وقال الرئيس ميغيل دياز كانيل في تصريحات أدلى بها أخيراً إن «العائق الرئيس لتنمية الجزيرة هو الحظر المفروض من الولايات المتحدة»، مؤكداً أن شعبه «محكوم بالموت جوعاً».

ويقر الخبير الاقتصادي الكوبي عمر إفرليني بيريز بأن «ثمة بلا شك نقصاً في الموارد والعملات»، لكن «هناك أيضاً عوامل بنيوية وتنظيمية» منها الهوس في تنويع الاقتصاد لجعله أقل اعتماداً على السكر، ما قوّض القطاع لدرجة الوصول إلى «حصاد من بين الأدنى تاريخياً» هذه السنة بتراجع 40 في المئة خلال سنة.

ويقول بيريز إن «العصر الذهبي انتهى لأن قدرات الإنتاج تراجعت» بوجود نحو خمسين مصنعاً للسكر فقط بعدما كان عددها 150 سابقاً، ناصحاً بإتاحة المجال لاستثمارات خارجية «لعشرة مصانع إلى خمسة عشر» بعدما أبدت مجموعات كبرى عاملة في القطاع اهتماماً في هذا المجال.

في الموازاة، تجري بعثة بقيادة مجموعة «فيفيس» الفرنسية دراسة لقطاع السكر في كوبا لتقويم الإصلاحات والاستثمارات اللازمة لإنهاضه.