الأميركي أمور تولِس يروي دكتاتورية ستالين من غرفة فندق

أمور تولِس، وفي الاطار غلاف الكتاب
باريس - أنطوان جوكي |

نعرف الكاتب الأميركي أمور تولِس من روايته الأولى «قواعد اللعب» (2011) التي جلبت له شهرةً دولية بقيمتها الأدبية الأكيدة. وها هو يستتعبها برواية ثانية، «جنتلمان في موسكو» (2017)، صدرت ترجمتها الفرنسية حديثاً عن دار «فايار» الباريسية وتشكّل بنثرها السيّال وقصّتها الآسرة وفتنة شخصيتها الرئيسة رائعة أدبية نادرة.


في هذا العمل الذي تجاوزت مبيعاته المليون نسخة في أميركا، يتابع تولِس استكشافه المرحلة التاريخية نفسها التي قاربها في عمله السابق، أي النصف الأول من القرن الماضي. لكن هذه المرة، يغادر موطنه للذهاب إلى الطرف الآخر من العالم، ونقصد روسيا خلال حكم ستالين، ولسرد قصة الكونت ألكسندر روستوف، وهو أرستقراطي روسي يلقي النظام الشيوعي عليه عام 1922 تهمة تهديد مُثُل الثورة لمجرّد انتمائه إلى طبقة اجتماعية تملك، في نظر هذا النظام، «سلطة مُفســـِدة». ولولا القصيدة التي كتبها هذا الكونت عام 1913، وتُمــكِن قراءتها كدعوة مبكرة إلى الانقلاب على النظام القيصري، لما استُبدِل الحكم بالإعدام الذي كان ينتظره بإقامة جبرية مدى الحياة في فندق «ميتروبول»، في موسكو، حيث كان يقيم.

طبعاً، الفندق المذكور ليس الـ «غولاغ»، لكن بدلاً من الشقة الفاخرة التي كان يسكنها في هذا المكان، وتطلّ على ساحة الكرملين ومسرح «بولشوي»، يُجبَر الكونت على الانتقال إلى غرفة خدم صغيرة تقع في الطابق الأخير من الفندق، وعلى عدم الاحتفاظ من أثاثه الثمين سوى بما يمكن وضعه في هذه الغرفة.

مدخل الرواية وضيق جغرافيتها (الفندق) قد يدفعان القارئ إلى توقّع قصّة تفتقد حتماً لأحداث وتطوّرات مثيرة. لكننا نطمئنه فوراً على أن الملل لن يكون من نصيبه لأن الكونت روستوف لم يكن ثريّاً بأمواله وأملاكه فقط، بل أيضاً وخصوصاً بشخصيته الجذّابة والمليئة بالطاقة والحيوية، وبثقافته المذهلة على أكثر من صعيد. وهو ما يسمح له بالانطلاق في حياته الجديدة من دون أن يغيّر أي شيء في عاداته: تناوُل وجبة الفطور في غرفته، وجبة الغذاء في مطعم «بيازا» الذي يقع في الطابق الأرضي من الفندق ويشكّل بطريقة هندسته امتداداً للمدينة، ووجبة العشاء في مطعم الفندق الفخم «بويارسكي»، قبل الانتقال إلى بار الفندق لشرب كأس أو كأسين من الكونياك، من دون أن ننسى موعده الأسبوعي مع الحلاق. هكذا، وبينما تتوالى في بلد ستالين المجاعات والإعدامات والحروب، يُديم الكونت طريقة عيش طبقته الاجتماعية، متشبّثاً بقناعة يتشاركها مع الفيلسوف الفرنسي مونتين، ومفادها أن «العلامة الأكثر بداهةً على الحكمة هي المزاج الجيد».

بالتالي، صحيح أن وضع الكونت الجديد حرمه من التردد على مسرح «بولشوي» والتسكّع في مقاهي المدينة والتنزّه في حدائقها الكثيرة. لكن ما فات «الرفاق» الذين حكموا عليه بالإقامة الجبرية في فندق «ميتروبول» هو أن روسيا، لا بل العالم بأسره يحضر إلى هذا المكان العريق، وأن أناقة الكونت وسلوكه الراقي وثقافته ولطفه وطرافته مميزات ستجعل منه محاوراً مفضّلاً سواء للناس الوضعاء الذين يعملون في هذا الفندق أو لوجهاء روسيا الجدد والدبلوماسيين والصحافيين الأجانب الذين يترددون عليه. ولذلك، على مرّ السنين، يتمكّن من بناء صداقات عميقة واختبار الحب والسعادة بطُرُق مختلفة، ومن إثارة الغيرة والكراهية أيضاً لأن ثمة دائماً مَن لا يعرف كيف يتمتع بالحياة، مثله.

ومن بين الأشخاص الذين سينسج علاقات قوية معهم: ميشكا، الشاعر المولع بالأدب، أندري وإميل، المشرِف على الفندق وطاهيه الأول اللذان سيوفّران له عناية يومية مؤثِّرة، الممثّلة الفاتنة آنا التي تصبح بسرعة عشيقته، من دون أن ننسى الكولونيل البولشيفي المنوَّر، أوسيب، الذي يأتي إليه كي يتعلّم منه اللغتين الفرنسية والإنكليزية وحُسن التصرّف، ويتعلّق بسرعة به. لكن أهم من جميع هؤلاء فتاتان: نينا ابنة التسع سنوات الحيّة، الفضولية، الجريئة التي تكبر في كنفه ويتعرّف الكونت بفضلها إلى جميع زوايا وفضاءات الفندق الخفيّة، ثم صوفيا ابنة الخمس سنوت التي تتركها أمّها نينا معه للحاق بزوجها المنفي في سيبيريا، فيربّيها كابنة له ويعرف معها معنى الأبوّة وتجعله يعي للمرة الأولى ألم حرمانه من حرّية مغادرة الفندق.

باختصار، جدارية روسية ضخمة (573 صفحة) تغطّي أحداثها فترة 32 عاماً (1922- 1954) ولا نملّ لحظةً لدى قراءتها، بل نضحك ونبكي ونتسلّى ونتأمّل مع هذا «الجنتلمان» الساحر الذي يعبر مِحَن الحياة بلياقة مثيرة للإعجاب وطرافة كبيرة وتفاؤل لا يتزعزع وإنسانية مؤثِّرة. ولا شكّ في أن تمكُّن تولِس من إثارة جميع هذه الانفعالات فينا يعود إلى تلك النبرة الفرِحة التي يعتمدها في ســرديته، وبالتالي إلى صقله أسلوباً يتناغم بشكلٍ مدهش مع موضوع روايته وظروف حياة شخصيته الرئيسة. أسلوبٌ رشيق، بسيط ومليء بالنكهات، نتذوّقه بمتعة كبيرة، ونتذوّق معه المراجع الثقافية الغزيرة التي تعجّ بها الرواية، وخصوصاً الأدبية التي تجعلنا نتآلف مع حياة وأعمال تولستوي وبوشكين وماياكوفسكي ودوسستويفسكي وكثيرين غيرهم، ولكن أيضاً تلك التي تتعلق بفنّ المائدة الذي يتقنه الكونت روستوف بامتياز ويخوّله العمل بعد فترة من الزمن ككبير الخدم في مطعم «بويارسكي» لكسب قوته.

أحد النقّاد الفرنسيين انتقد بقسوة غير مبرَّرة تولِس لـ «جهله» وضعَ روسيا المرعب خلال زمن سرديته، وبالتالي وضعَ الفنادق السوفياتية التي كانت آنذاك مراقَبة عن كثب ومليئة بالمخبرين، ما يجعل الأحداث الشيّقة التي تدور على مدى ثلاثة عقود داخل جدران فندق «ميتروبول» في الرواية، مستحيلة وغير واقعية. لكن ما فات هذا الناقد «النبيه» هو أن الكاتب لم يسعَ إلى كتابة رواية تاريخية تهدف إلى تصوير نظامٍ توتاليتاري، علماً أنه نجح في كشف ازدواجية النظام البلشفي: مُثُل جميلة وحماسة شعبية، من جهة، وبيروقراطية خانقة وقمع أعمى، من جهة أخرى، متوقّفاً عند بعض جرائم وآفات هذا النظام سواء داخل سرديته أو في ملاحظات في أسفل الصفحات، كمأساة المنفيين إلى معسكرات الـ «غولاغ» وأسباب انتحار ماياكوفسكي ونهاية ميشكا وزوج نينا الوخيمة. فما سعى تولِس إلى كتابته- ونجح في ذلك- هو بالأحرى رواية على شكل حكاية جنّ، تنشط داخلها ساحرات وسحرة خيِّرون، من جهة، وساحرات وسحرة شريرون، من جهة أخرى. حكاية تشكّل نشيد احتفاءٍ بالحياة في ما تتضمّنه من جوهري، أي ما يربط البشر بعضهم ببعض. فالروابط التي يتمكّن الكونت روستوف من نسجها والصداقات (غير المتوقَّعة أحياناً) التي سيبنيها هي التي ستُثري حياته، بينما كان قد فقد كل شيء.

ومن هذا المنطلق، لا يسعنا في النهاية عدم توجيه تحية لهذا الكاتب الذي قرر، بعد عشرين عاماً من العمل في وول ستريت، مغادرة عالم المال والأعمال للمراهنة على الأدب والقيَم الحقيقية، وتمكّن في كل واحدة من روايتيه من كسب رهانه بمهارة نادرة.