«الأخوان» و «الحَمَاة» لترنتيوس وبذور نهضة المسرح الأوروبي

غلاف الكتاب
هند عبد الحليم محفوظ |

تمثل مسرحيتا «الأخوان» و «الحماة»؛ واسطة العقد في مجمل الإنتاج المسرحي للشاعر الروماني ترنتيوس، ومن هنا تأتي أهمية صدور ترجمتيهما إلى العربية أخيراً ضِمن سلسلة «من المسرح العالمي» (المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت) بواسطة أستاذ الدراسات اليونانية واللاتينية في جامعة القاهرة عبدالمعطي شعرواي. قدّم للترجمتين أستاذ المسرح في جامعة عين شمس حاتم ربيع الذي يرى ترنتيوس شاعراً لا يُشق له غبار وعلامة فارقة في تاريخ المسرح الروماني، حيث خط لنفسه نهجاً في كتابة البرولوغ بوصفه آلية مسرحية تختلف عن نهج الرواد أمثال يوربيدوس ومناندروس وبلاوتوس. ولم يكن البرولوغ عنده سوى الدفاع عن نفسه، وليس تقديم فكرة موجزة عن العمل جرياً على العادة.


وعن نشأة ترنتيوس كتب شعراوي أنه ولد في قرطاجة (185- 184 ق.م) وساقه القدر إلى روما عبداً؛ وآلت ملكيته إلى عضو مجلس الشيوخ ترنتيوس لوكانوس، الذي أبدى إعجابه بما يتوفر في هذا الفتى من ذكاء وحسن طلعة، فهيَّأ له قسطاً من التعليم ومنحه حريته.

وعُرضت مسرحية «الأخوان» عام 160 ق.م، وهي تقارن بين نمطين متناقضين في تنشئة الصغار وترصد نموذجين متمثلين في الشقيقين «ديميا» و «ميكيو»، فنرى الأول وقد تزوج وعاش في الريف وأنجب ولدين، واكتسب من محيطه صفات الميل إلى الدعة والهدوء والاستقرار والتحفظ في ظل ضيق ذات اليد. في المقابل نرى «ميكيو»، ذلك الأعزب الذي يعيش في المدينة بكل ما فيها من صخب ورغد عيش، لاسيما إذا كانت هذه المدينة هي أثينا بما عُرف عنها من لهو ومجون. ويرسل «ديميا»، ابنه الأكبر» أيسخينوس» ليعيش في المدينة مع عمه «ميكيو»، ويبقى الولد الأصغر «كتيسيفو» مع أبيه. يقع «أيسخينوس» في حب فتاة أثينية يتيمة تدعى «بامفيلا»، حملت منه سفاحاً، ونعرف من بداية المسرحية أنها ستضع حملها بين لحظة وأخرى. ومن المعروف أن من تقاليد المسرح الروماني الصارمة عدم السماح بظهور الفتاة العذراء أو الفتاة ذات الأصول الأثينية على خشبة المسرح. تقمصت «بامفيلا» دور الفتاة الصامتة ولم تظهر على خشبة المسرح على الإطلاق، ولكنها تصرخ من داخل منزل والدتها وهي تتلوى من ألم المخاض. أما «كتيسيفو»، فيقع في حب محظية يملكها النخاس «سانيو»، ولكنه يعاني الحرمان والعوَز مع والده المتقشف، بما لا يمكنه من دفع مال للقواد نظير الحصول على الفتاة، فيضطر إلى خطفها ويقوم شقيقه «أيسخينوس» بتنفيذ هذه المهمة.

وتتصاعد الأحداث عندما تعلم والدة الفتاة «سوستراتا» خبر خطفها، ثم نصل إلى ذروة ما يعرف بتبدل الأدوار الذي يتجلى في ما يبديه «ديميا» من عطف وشهامة، فيشرع في إتمام مراسم الزواج بحضور «بامفيلا» إلى منزل «ميكيو» ويقترح على شقيقه الزواج من الأرملة «سوستراتا» التي تعد الشخصية الأكثر إثارة للتعاطف والشفقة، إذ تعاني الشعور بالوحدة والعزلة هي وابنتها وتعتمد على العبد «غيتا» في ضروريات حياتها، وطوال أحداث المسرحية تعبر عن قلقها وخوفها وتشكو مِن قلة حيلتها. ولكن يحدث التحول الكبير في شخصيتها عندما تنقلب مِن سيدة منكسرة إلى امرأة قوية حينما تقرر الوقوف في صف ابنتها في محنتها.

أما شخصية «ميكو»، فيصوره ترنتيوس بأنه رجل لطيف، يعتز بنفسه، عطوف على ابنه، يكرس حياته له، وعندما يعلم أن «أيسخينوس» اعتدى على «بامفيلا» يغضب. هو يؤمن بأن الشباب دائماً متهورون، ولكنهم غالباً ما يرجعون إلى الطريق المستقيم، ويوجه حديثه إلى «ديميا» الذي يُصدم عندما يكتشف بعد كل هذا الحرص أن «كتيسيفو» بات فاسداً مثل «أيسخينوس».

أما مسرحية «الحماة» فقد عرضت للمرة الأولى عام 165ق.م، وتدور أحداثها حول الشاب «بامفيلوس» (ابن لاخيس) الذي كان قبل زواجه من «فيلومينا»، على علاقة بمحظية تدعى «باخيس» وأكد لها مراراً أنه لن يتزوج مطلقاً ما دامت على قيد الحياة. يتزوج بامفيلوس» من «فيلومينا» نزولاً على رغبة والده، ونراه يتحين الفرص لهجر زوجته لبعض الوقت، فيذهب ذات رحلة للنظر في أمر إرث العائلة. وعلى غير المعتاد تبدأ المسرحية بقصة زواج تمَّ فعلاً ولا يوجد صراع وتصاعد للأحداث التي تتوج بإتمام هذا الزواج بين عاشقين، وبذلك خرجت عن المألوف لدى ترنتيوس، وفي مجمل الأعمال الكوميدية. ومن ناحية أخرى، هناك تجاوز للنمط المألوف عن شخصية الحَمَاة في الكوميديا، التي تبدو في الغالب مصدر إزعاج، حيث نرى «سوستراتا» (أم بامفيلوس) تلك الشخصية المسالمة الوديعة التي تؤثر راحة بال ابنها على راحتها الشخصية، وتقرر الابتعاد من البيت لتعيش في الريف.

وتتفاقم الأحداث بعودة «بامفيلوس»، وتلد له «فيلومينا» ولداً، فيزداد ابتعاداً عن زوجته، لأنه يعلم يقيناً أن هذا الابن ليس من صلبه من دون أن يصرح بذلك. وعندما تذهب «باخيس» لمقابلة أم «فيلومينا»، ترى مصادفة في يدها خاتم ابنتها، وتتكشف الأمور شيئاً فشيئاً، وتخبرها بأن «بامفيلوس» قدمه هدية لها، وأخبرها أنه انتزعه من يد فتاة كان قد اعتدى على شرفها من قبل. ومن ثم يتأكد «بامفيلوس» أنه والد الطفل ويعود الوئام إلى أسرته. «باخيس» هنا تجسد «الفاسقة الفاضلة». والمعروف أن الفاسقة عموماً أشتهرت بالجشع وسوء الخلق وعادة ما تتسبب في الخلاف بين شاب وأبيه أو بين زوج وزوجته. لكننا نكتشف في هذا العمل أنها أداة لحل العقدة الدرامية وليست سبباً فيها على الإطلاق. ترك ترنتيوس أثراً واضحاً في الكوميديا الأوروبية، لا سيما في عصر النهضة وما بعده، واستلهم الكتاب الإنكليزية، بخاصة شيكسبير، مسرحياتهم الكلاسيكية إما بصورة مباشرة من المسرحيات الرومانية، أو بصورة غير مباشرة من خلال الكوميديا الإيطالية والألمانية والفرنسية، التي تدين في الكثير من سماتها إلى الكوميديا الرومانية.