قصة: كراهية عادلة

لوحة للفنان الفلسطيني توفيق عبد العال
هناء عطية |

كلما حدّقت في عجلات المقعد شعرت بدوار. يتهرب من جسده المتهالك فوقه ووجهه الغليظ اللحمي، وملابسه المتكورة عند نصفه السفلي، وهو منحنٍ قليلاً جهة اليسار، مائلاً صوب الأرض. تفكر بضبابية في سنواتها معه. تود لو تختفي الآن تماماً. طوال اليوم مع أصدقائه! لعنة الله عليه. تعرف أنه سيقول ذلك مثلما يفعل كل يوم، وأنها لن تجد شيئاً تقوله في ذلك الآن، بل أحياناً ما تتسلل إليها راحة ما، كونه مهملاً على هذه الصورة. كأني لم أنجب قط. من أين أتى بهذه القسوة؟ تختلس النظر إلى عينيه. خيل إليها أنهما قد أصبحتا أكثر استدارة وجحوظاً منذ أن مرض، وأن وجهه في نهاية الأمر لا يشبه أحداً.


– تجلسين أمامي وتراقبينني.

– أنا؟!

– نعم... وطعامك أصبح ماسخاً، تكثرين الملح وهذا يضرني، طوال أعوام وأنت تكثرين من الملح.

أدار عجلات المقعد جهة اليمين بجوار النافذة، وراح ينظر إلى ظهر زوجته طويلاً. كانت تشعر بنظراته تخترقها فيقشعر جسدها وتنقبض ملامحها كما لو أنها توشك على البكاء. فكرت في الوعاء المليء بفضلاته، والذي عليها أن تفرغه بعد قليل. راح ينظر من زجاج النافذة إلى الخارج، وهي ترى جانباً من وجهه. كان في تلك اللحظة يشبه ابنهما تماماً. فكرت أن ذلك نادراً ما يحدث، وهو لا يشبه أحداً في غالبية الأحوال.

– كم أنت بليد!

– ماذا تقولين؟

- أقول إن الجو مليء بالغيوم.

– ومــاذا تطلــبين من الــشتاء؟ كم أنتِ بلهاء.

- سيراكَ الجيران وأنت عارٍ هكذا.

فكّرَت بغموض في رائحة جسده السابق، حين كان فتياً، وفشلت في استعادة وجهه القديم وعينيه، وهاجمتها رغبةٌ عارمة في أن تقذف بمخلفاته في وجهه، وشعرت بنفسها خالية من أي ظل من شفقة عليه، لكن ألماً ما شاحباً راح يتسلل إلى صدرها، ويزيدها كآبة، ولا تعرف لماذا راحت تفكر في مقدار الملح الذي عليها أن تضعه في الطعام كل يوم، ورغبة تقاومها في أن تتوقف تماماً عن الطبخ وممارسة مهمات البيت المنهِكة. في تلك اللحظات كان ابنهما في الشرفة المقابلة للنافذة، عند أحد الجيران، ينظر ناحيتهما ويضحك.

– إنه هناك مثل الثور، يبدو من هنا ضخماً، إنه يأكل مثل الحمار، ويضحك مثل الحمار.

– إنه يراك وأنت عارٍ!

اختلست النظر إلى فخذيه، المنخفض عندهما سروالُه، وفكّرت أنهما ما زالا بالضخامة التي كانا عليها قبل المرض، بل جسده كله رغم انهاكه، فهو لا يزال على الضخامة السابقة نفسها، فانقبض قلبها، وهي تشيح بعينيها بعيداً خلف النافذة، ورائحة مخلفاته تنتشر حولها، وكان ثمة خيط من شمس برتقالية يقطع السماء الغائمة ويتوهج للحظات قصيرة. كان ابنهما على الجانب الآخر قد أعطى لهما ظهره، وهو يمسك بشيء ما.

– لا تبالغي في سلق البطاطس... اهرسيها جيداً؛ طوال الوقت أقول ذلك... واللحم؛ آه؛ ها أنتِ تراقبينني من جديد.

– أنت دعوتني للجلوس معك، ثم اللحم لم يعد كما كان.

– أنتِ تراقبينني حتى في نومك... أنا الذي كنتُ أراقب الدنيا كلها... رأسي مليء بالعيون.

– أعرف؛ أنتَ أفضل شرطي في العالم. قالت ذلك وهي تقرب المدفأة منه وتعدل الغطاء فوق فخذيه، وتنظر هناك. على الجانب الآخر؛ كان هناك يتمايل يميناً ويساراً، كأنه يرقص، بجوار جاره الشاب، ويضحكان، وخيل إليها أنه يقذف بشيء ما ناحيتهما. كانت غيوم كثيفة تعبر بطيئة في السماء. راح يغمغم وهو يمضي في غفوة قصيرة. أخذت تنظر إليه بعقل مشوّش، وكانت أفكار بعيدة في رأسها حول تركها البيت، وإناء المخلفات الذي عليها أن تنظفه، وأفكار أخرى حول طعام بائت، سوف يفسد، وتنظيف أرضية الحمام. حدّقت فيه وهو مغمض العينين، ثم حدّثت نفسها: عليّ أن أقلل الملح في الطعام. خيل إليها أنها امرأة أخرى لا تعرفها، امتلأت بالشر وهي تلمح آخر شعاع من شمس ذلك النهار، ينطفئ بين الغيوم. أصبحت الغرفة رمادية، وهي تدخل بطيئاً إلى الليل.