بعد وصول الغرباء

عن (موقع موضوع)
يوسف وهيب |

مالَ على جانبه الأيسر؛ عصرَ أحد أيام جبل أنصنا، في سالف العصر والأوان، والتقط أُذُنَ كيس الكِتان الذي به قنينة الجعة، وجرَها إليه. صبّ لنفسه كوباً، شرِبه، وتكرّع، وقال لنفسه: ما أتعسَك أيها البني آدم لو ظللت هكذا على وهمك بأنك خيرُ مَن في الأرض، ولم تتمثّل بهذا الجمال الذي يلهمني إياه صَفَا؛ كلب زاهية الأسود! ترك إسطاسي فراشَه، ودخل العشة المجاورة للمعصرة.


ملّس بكفه على كفل الثور، وتمتم قائلاً: الرب يبارك لنا فيك يا شيّال الهموم، لولا ما تفعله لفّاتُك وأنت مغمّى، ما كان للسمسم، ولا للزيتون مَن يعصرهما، وبالتالي لم يكن لمذابح الرب زيت يضيء قناديلها ولا شموعها. وجاء بزكيبة الفول الجاف وأفرغ منها في المخْوَل أمامه: قائلاً: كُلْ بألف هنا وشفا.

وبينما هو في نوبة عشق لثوره الوحيد الذي نجا به من مذبحة الثيران القديمة، باغتَه صوت السروجي: يا إســـطاسي، انت ســبت الجعّة للهوا ورحت فين؟! ضحك طويلاً قبل أن يرد عليه: أنا مع مَن هو أهم مني ومنك، مع مَن يصنع الحياة دون أن يدري أنه يفعل ذلك، ولعله لذلك لا يتفاخر، أما أنت يا مَن تفرح بأكفان الموتى التي تحيكها، تظن أن الرب يحبك لأجل ذلك.

- نعم يا «إسطاسي» الرب يحبنا جميعاً، حتى هؤلاء الغرباء، ربما جاء بهم إلى هنا ليعرفوا أن هناك حياة، وليس الموت هو اللغة الوحيدة للحياة، لعله يدربهم الآن أو مستقبلاً على تأمل الزروع والجماميز المعمرة، ليدركوا أن الحياة لا بد أن تعاش، ولكي يتم ذلك بحقٍ، لا بد من إجادة لغة الأرض والإنصات لها.

اتكأ كلاهما على جانب مِن حجر صوّان دائري كانا ينحتانه، لتركيبه في المعصرة، وفجأة سأله حنا: يا خال إسطاسي، لم تحكِ لي كما وعدتَ كيف خلعوا عينيك وأنقذ الرب بعض بصرك، كأنه تعمّد أن يترك لك هذا الشعاع الذي تمده إلى العالم فيرتد إليك بصور الأشياء، وبه - إنني متيقنٌ - أنك ترى أكثر من كثيرين من ذوي العيون المتسعة.

تنهد إسطاسي، وتشكّل وجهه في ابتسام ممرور، وهو يقول: كنا أربعة رجال وسبع نساء، لا أحد ينكر أن حرافيش الغازي وعسكره لم يكونوا متجبرين كما يتصور البعض، أو أنهم لا سمح الله أجبرونا على شيء وحيد محدد، لقد سألونا في البدء: أما زلتم على عنادكم، وترفضون دفع المال، ولن تغيروا دينكم؟! ولما كانت إجابتنا في صوت واحد كأنه اتفاق: نعم، وإلى النفَس الأخير، خيّرونا نحن الرجال بين أمرين؛ إما قَطْع ألسنتنا، أو سَمْل أعيننا بأسِنة الرماح المحمية في النار.

كنتُ أنا وآمونيوس والدك يا حنا السروجي، اتفقنا في الليلة الماضية، قال لي آمونيوس: اسمع يا إسطاسي؛ لقد شبعت عيوننا من رؤية الأماكن، وها هي لا تنقل لقلوبنا سوى ما يدميها من الأحداث، أما جاء الوقت لنريحها كي تريحنا من كل ما يزعجنا في هذا العالم؟! ولما استفسرتُ منه عما وراء ما يقول، أخبرني جاداً: علمتُ يا أخي من أحد الذين جاؤوا من المشارق ضمن الأغراب، أن مطوية من رقاع جلد الماعز جاءت من الوالي الذي يعظمونه في الشرق، تأمر من ينوب عنه هنا، أنه ليس أمامهم سوى الإبقاء على بعض من أبناء هذه الأرض، «... وألا تُعملوا سيوفكم كثيراً، فسوف تصيرون في متاهة لو تخلّصتم مِن كل أبناء هذه البلاد، وستكونون في مواجهة مباشرة مع آلهة خفية فيها لا قِبَل لكم بها، ولأنكم بلا معرفة في فنون مخاطبة الأرض، ولا ريّها ورعايتها، فلتبقوا على بعضهم يزرعونها لكم، وإن كان لا بد من معاقبة المتمردين، فليكن إما بِسمل الأعين، أو قطع الألسنة».

قال لي هذا الجزء من الرسالة، ثم صمتَ ووعدني أن يكمل في ما بعد بقية المكتوب، أو كما قال ربما ستعيشه وتلمسه بأذنيك يا إسطاسي، ثم فاجأني بقوله: والأهم، أننا يجب أن نبقى على ألسنتنا، كي يظل صوت هذه الأرض صارخاً، فما جدوى أن نرى ولا نستطيع الصراخ حتى! لن تجد هذه الأرواح المسفوكة دماؤها مَن يرفع عنها صلواتها للأعالي، إلا بلسانك ولساني وغيرنا يا إسطاسي، سيظل هذا الصوت مصدرَ ضجرٍ، وتحديداً لكل غريب، لأنه صوت الأرض كما أخبرتُك، ولن يفهمه سوى بنيها.

* من رواية قيد النشر