«معرض» طرابلس في «نيامير فور ايفير»: تحفة هندسية مهددة بالخراب

ملصق الفيلم (الحياة)
بيروت - «الحياة» |

حل فيلم «نيامير فور ايفير» الذي أنتجه مهرجان «باف» أو «مهرجان بيروت للأفلام الفنية» الذي أسسته وتديره اليس مغبغب المؤرخة الفنية وصاحبة غاليري تحمل اسمها مع فريق من المختصين، ليعرض في سياق دورته الرابعة هذا العام، في الوقت المناسب، فـ «معرض طرابلس» الذي صممه المهندس البرازيلي العالمي أوسكار نيماير العام 1962، ما برح يتعرض للإهمال وباتت هندسته المعمارية البديعة مهددة فعلاً نتيجة أسباب عدة وفي مقدمها تهاون الأجهزة الرسمية حياله وعدم صيانتها معالمه المعمارية. وبدا الفيلم الوثائقي الذي أخرجه نيكولا خوري وأدار تصويره زياد شحود أشبه بصرخة عالية وفنية طبعاً، من أجل إنقاذ هذه التحفة الهندسية، بل هو من خلال عروضه المتعددة في أيام المهرجان في قسميه «داخل الأسوار» (صالة متروبوليس - أمبير) و «خارج الأسوار» في المناطق اللبنانية والجامعات والمدارس والنوادي والمراكز الثقافية، يعيد إلى ذاكرة اللبنانيين حدثاً فنياً وحضارياً لم يشهد لبنان مثيلاً له، كما يتيح للأجيال الشابة أن تتعرف إلى هذا الصرح الفني الذي تم بناؤه في الستينات.


ولعل أهمية هذا الفيلم الذي يمتد نصف ساعة، تكمن في جمعه بين التوثيق والإبداع التعبيري والجمالية التصويرية، ما أتاح له أن يتخطى مفهوم العمل الوثائقي ليصبح عملاً فنياً بامتياز. وفي ناحيته التوثيقية، سعى المخرج إلى أن يكون دقيقاً في تأريخه لمراحل بناء هذا المعرض واستعراض مراحله ومعالمه بما تحمل من دلالات هندسية واجتماعية وبيئية أو مكانية، إضافة إلى توقفه عند المهندس البرازيلي الكبير والرائد أوسكار نيماير (1907 - 2012) الذي زار طرابلس ليضع مخططاته الهندسية الطليعية أولاً ثم ليشرف لاحقاً على بدء التنفيذ. ويتناول المخرج خصائص المدرسة الهندسية التي أسسها نيماير وتفرد بها عالمياً وجمالياته الشكلية التي وسمت أعماله التي غزت أهم المدن في العالم. ثم يتطرق إلى معالم المعرض ذاته، مستعرضاً بناءه الضخم وآفاقه الهندسية واعتماده مادة الباطون للبناء. فالمعرض يقوم على مساحة مليون متر مربع ويضم 120 ألف متر مربع من الحدائق و33 ألف متر من البرك المائية و20 ألف متر من القاعات التي تضم في ما تضم: المسرح المكشوف، المسرح التجريبي، صالة المؤتمرات، متحف الفضاء، فاعة المعارض، بيت الضيافة... وكان تم الانتهاء من بناء المعرض العام 1975، وبات جاهزاً للانطلاق، لكنّ الحرب الأهلية التي وقعت في العام ذاته وجهت ضربة قاسية إليه فتوقف ثم سرعان ما تحول كما يظهر الفيلم، إلى موئل للمسلحين والميليشيات على اختلاف انتماءاتها وأصبحت بعض صالاته مخازن سلاح وذخيرة وسجوناً كانت تحصل فيها أعمال التصفية والقتل.

عمد المخرج إلى تصوير المعرض في فصلي الشتاء والصيف راصداً تحولات الطقس حوله، وأبرز في لقطات جميلة كيف تنعكس الأعمدة أو القبب والعناصر الهندسية الأخرى على صفحة المياه في البرك التي تصبح أشبه بالمرايا التي تمنح أبعاداً جمالية للهندسة. ونجح المخرج كثيراً في الاستعانة براقص ومصمم رقص هو شارلي برنس مضفياً من خلال حركته الراقصة بعداً تعبيرباً على المشهدية المعمارية. وبدت الحركة الكوريغرافية والرقص التعبيري نابعين من قلب الفضاء المعماري. وعندما كان الراوي في الفيلم (الإعلامي جورج غانم) يتحدث مثلاً عن الحرب التي أحدثت خراباً داخل المعرض كان الراقص يجسد إيقاع الحرب بجسده النابض والمتوتر. واستعان المخرج بشخصين مختصين بالفن المعماري هما وسيم ناغي وراوية مجذوب ليتحدثا عن المعرض من نواح عدة ويرافقا بشهادتيهما العلميتين كلام الراوي والنص.

هذا الفيلم يجب أن يعمم على الجمهور اللبناني كي يكتشف هذه التحفة الهندسية التي يحل بها الإهمال والمهددة بالانهيار والزوال وعسى الأجهزة المسؤولة في الدولة تسعى سريعاً إلى إنقاذ هذه التحفة. وسوف يشارك الفيلم في مهرجانات عالمية عدة تعنى بالأفلام الوثائقية والفنية.