ضياع الأساسيات السورية في القمة الرباعية

أردوغان ومركل وبوتين وماكرون قبل قمة اسطنبول (أ ف ب )
عادل يازجي |

القمم التي عقدت حول الأزمة السورية منذ عام 2012 حتى رباعية اسطنبول /27/10/2018/، تصدر قراراتها بصيغٍ عامة حمّالة أوجهٍ، والمؤتمرات الصحافية لا توضح بمقدار ما تموّه، حتى التسريبات يُشَكّ فيها، والتأويل يقرأ ما وراء الكلمات من احتمالات.


هكذا بيان القمة الرباعية (بوتين، أردوغان، ميركل، ماكرون) لا شرح له، ولا خريطة طريق إلى هدف محدد، والمؤتمر الصحافي كرّس عدم الوضوح، وتُرِك الأمرُ للتحليل والتركيب والتأويل، إعلام النظام في اليوم التالي امتدح ديبلوماسية روسيا (بالتوجيه طبعاً) واعتبرها تمكنت من (توسيع مروحة المُهَيَّئين للانضمام إلى صيغة آستانة) في محاولة من النظام لمصادرة الفضل بانعقاد هذه القمة، ونجاحها وقراراتها لمصلحة حليفه بوتين حصراً، موحياً بانضمام ألمانيا وفرنسا إلى التوجّه الروسي للاستمرار في محاربة «داعش» و «النصرة»، وعودة اللاجئين وإعادة الإعمار، متجاهلاً لجنة الدستور والحل السياسي؟

ما يحدث في الشمال السوري، غرب الفرات وشرقه، لا يوجد في قرارات هذه القمة نقاط تلاقٍ حوله إلاّ العبارة المألوفة (الحفاظ على وحدة سورية)، ولا ترتبط عملياً بالحل السياسي الذي تحوّل قميص عثمان في المساومات الدولية حول الاستقرار الإقليمي، وليس حول سورية بحدودها المستباحة التي طمأنتنا القمة بالحفاظ عليها ولم تحدد كيف؟ المشكلة المستعصية ليست الديموقراطية، ولا تغيير النظام، ولا القضاء على الجيوب الداعشية شرق الفرات، أو الشاردة في بادية الشام، ولا جيوب «جبهة النصرة» في إدلب المتمردة على اتفاق سوتشي بين بوتين واردوغان، ولو حُلّت هذه القضايا المعقدة جميعها لما وصلت المنطقة إلى استقرار يعمِّر طويلاً لأنّ صِيَغَ تفجيره كثيرة متأهبة، فإيران لا تزال تُنيخ رِكابها في سورية، ولا تكتفي واشنطن ولا تل أبيب بمجرّد إبعادها من حدود إسرائيل، فكلتا العاصمتين فقدت الثقة بالدب الروسي الذي بأوّل استفزاز له(اسقاط طائرة) فقد أعصابه، وأدار ظهره لصديقته الحميمة إسرائيل، ودعَّم صديقه النظام بسلاح أثار ريبة هاتيك العاصمتين الواثقتين بانضباط النظام تجاه التهدئة مع إسرائيل استراتيجياً، لكن تسليحه بوجود ايران يصعب على إسرائيل هضمه أوتجاهله، وواشنطن لا تتعب نفسها بالتفاصيل المملّة، فموقفها من إيران لاشك تفهّمته القمة الرباعية، وإن لم يكن مُدرَجاً في جدول أعمالها؟ ثمّ إن تفاصيل المشهد الميداني في الشمال السوري لم تُفصح القمة عن أيّ جرعة علاج لها، من مشكلة منبج بين واشنطن وانقرة وقوات سورية الديموقراطية، إلى إمارة إدلب السورية العربية التركية الاخونجية تحت معطف أنقرة التي تضغط على موسكو لحمايتها من النظام المتأهّب للانقضاض عليها، التحالف الدولي بإمرة واشنطن من شرق الفرات حتى الحدود العراقية يتسلّى بمطاردة فلول «داعش» في ارياف دير الزور وبادية الشام، وأحياناً يغازلها، ويستثمر فيها، ويدعّم قواعده حولها وفي منطقة التنف (طبعاً لدعم دمشق وموسكو وأنقرة وطهران في القضاء على تلك الفلول)، وليس لحماية الفلول الداعشية، وقوات سورية الديموقراطية الكردية تسرح وتمرح شرق الفرات تحت المظلة الامريكية، بموازاة الحدود التركية تحت انظار أردوغان الذي يزمجر ويهدد ويتوعّد، بينما هي (قسد) مسالمة لا تحتك مع القوات التركية، أو السورية، أو الروسية، ولا حتى الإيرانية، ومشكلتها فقط مع أردوغان؟ فهي لا تُقلق النظامَ السوري، ولا الفقيه الإيراني ولا الدبّ الروسي، على رغم أنّها بين أحضان القوات الأميركية، تتباهى بذلك وتختال تيهاً امام زمجرات أردوغان وتهديداته؟

هذه الحشود فرادى ومجتمعة ليست لمحاربة «داعش» و «النصرة» ولا من أجل لجنة الدستور أو الحل السياسي، لا شك يقلقها تمددُ الفقيه الإيراني، سياسياً، وعسكرياً، وأيديولوجياً، خارج حدوده، وترغب بضبضبته داخلها، لكن المشكلة الإقليمية لا تنتهي بضبضبة معقدة وشبه مستحيلة، فالفصائل الكردية أيضاً تقلقها تقلّبات ترامب البراغماتية، لذلك تحافظ على صلتها بالنظام، والنظام لا تزعجه المشاركة مع واشنطن في رعاية (قسد) طالما ثلاثتهم دمشق وواشنطن وقسد، مجتمعين ومتفرقين، يعكّرون صفو الفقيه التركي أردوغان، وواشنطن تتفهّم علاقات النظام بالاكراد خلال مرحلة الضغط على تركيا، وبعض الخبثاء يعتبرون استقبال واشنطن معارضين سوريين، مجاملة لايحتاجها ترامب لجذب النظام إلى ملكوته، فالنظام ليست منه العقبات، وصفوة من رجال أعماله يملكون ما يسيل له لعاب ترامب وحزبه الجمهوري، إنّما بانتظار لحظة دولية فارقة؟

السوريون لم يروا في قرارات القمة أيّ ملامح لسورية الموحّدة، والكلّ في الداخل يتسلون بمتابعة المشهد المتحرّك ميدانياً وسياسياً، نصفهم أو أكثر لا يهضمون وجود إيران أمامهم وخلف ظهورهم، والنصف الآخر أو أقلّ لا يهضمون الوجود التركي في الحديقة الخلفية إدلب وريفها، والسوريون عامة لا يرتاحون لامتداد ولايتي الفقيهين الإيراني والتركي داخل وطنهم، وكثيرهم لا يرغب حتّى بالوجود الروسي الذي حقق لهم (خفض التصعيد)، وعمم التهدئة فوق معظم التراب السوري، بما فيها ذاك الواقع تحت مظلّة واشنطن وحلفائها الأوربيين في الشمال والبادية، أو تحت مظلّة أنقرة الاخونجية في إدلب، ولا ينغّص هذه التهدئة إلاّ الخوف من التغيُّرات الديموغرافية هنا وهناك، التي يُغَضُّ الطرف عنها، وكأنها من نوافل الامور السياسية والجغرافية!

بالمحصلة، لا يستهان بجهود موسكو التي بذلتها في القمة للحفاظ على خفض التصعيد، مع شرعنة ملاحقة «جبهة النصرة» حتى في إدلب، وتكثيف جهودها لتمييع الحل السياسي الاممي وإبقائه بيدها حصراً، وتدرك أن الحلول الدولية لا معنى لها إن لم تباركها واشنطن، ولو خرجت من المطبخ الروسي، وواشنطن تناور بموقفها من إيران، وتبتزّ، وتلميحاتها بقبول استمرار النظام، يصعب التكهن بالثمن الذي تطلبه من موسكو، وليس من النظام الذي لا خيل عنده ليهديها ولا مال، فيلجأ إلى مغريات إعادة الاعمار في مرحلة تسويقه عربياً وعالمياً، ولا يُستبعد حدوث مفاجآت ترامبية في كل الأحوال!

مقاربة القمة الرباعية للمسألة السورية مجرّد نقاشات، ليست لها مرتسمات فوق الارض، إذ لإن الكلّ مستنفر سياسياً وميدانياً، قد يطول الاستنفار والتأهب ما لم تفضّه القمة المرتقبة بين بوتين وترامب.

* كاتب سوري