العقوبات الأميركية الجديدة على إيران والموقف التركي الحائر بين «الناتو» و«الحليف الفارسي»

رجب طيب أردوغان (رويترز)
بشير عبد الفتاح |

مع دخول العقوبات النفطية الأميركية الجديدة على طهران حيز التنفيذ أخيراً، راجت التوقعات في شأن إمكان تراجع تركيا عن تمسكها بعلاقاتها التجارية مع إيران والتخلي عن مواصلة استيراد النفط والغاز الإيرانيين والاستعاضة عنهما بشراء كميات أكبر من نفطي السعودية وليبيا، تجنباً لاستفزاز واشنطن.


كذلك، تعي أنقرة أن في العقوبات النفطية الجديدة على إيران معوقاً لمساعيها الرامية للاحتفاظ بوارداتها المتنامية من النفط الإيراني. غير أن مواقف أنقرة حيال العقوبات الأميركية النفطية الجديدة على طهران بدأت تجنح لتحقيق المعادلة الصعبة المتمثلة فى عدم تعريض العلاقة مع واشنطن لمزيد من التدهور، مع عدم خسارة الحليف الإيراني أو فقدان إمداداته النفطية. فمن جهة، تشكل الاعتبارات الخاصة بأمن الطاقة التركي مسوغاً مهماً للإصرار التركي على تحدي العقوبات النفطية الأميركية على إيران، فتحت وطأة الفقر المدقع في مجال الطاقة، هرعت أنقرة لمعالجة ذلك الخلل الذي يهدد أمن الطاقة التركي من خلال المضي قدماً في مسارات أربعة متوازية. أولها، السعي الدؤوب للعب دور الممر الجيواستراتيجي الآمن لخطوط نقل النفط والغاز المقترحة من بحر قزوين وروسيا وإسرائيل وإيران إلى أوروبا، بما يتيح لها توفير نصيب كبير من احتياجاتها. ويتمثل ثانيها في التوسع بمشاريع الحفر والتنقيب عن النفط والغاز الطبيعى براً وبحراً داخل البلاد وخارجها، علماً أن استثمارات تركيا في هذا المجال زادت 10 أضعاف عمّا كانت عليه خلال عام 2002، لتصل إلى 13.3 بليون دولار، فيما بلغت عائدات التصدير 22.2 بليون دولار. وعمد ثالث المسارات إلى تقليص الواردات النفطية عبر إنتاج نفط اصطناعي عبر تحويل النفايات إلى وقود، وهو المشروع الذي يتوقع أن يوفر على خزينة الدولة بليوني دولار تنفق على استيراد النفط سنوياً. أما المسار الرابع، فتمثَّل في تنويع تركيا مصادر وارداتها لأكثر من 90 في المئة من احتياجاتها من النفط والغاز لتشمل خمس دول هي: العراق وإيران وروسيا وآذربيجان والكويت.

وعلى رغم مجيئه في المرتية الثانية بعد النفط العراقي، إلا أن النفط الإيراني يحظى بأهمية استراتيجية فائقة لتركيا، كونها تحصل عليه بأسعار أقل من السوق العالمية فضلاً عن قرب مسافة نقله وسهولة تأمين خطوط الأنابيب المستخدمة لهذا الغرض، حيث تستورد تركيا نحو 200 ألف برميل يومياً من النفط الإيراني، بما يغطي 30 في المئة من استهلاكها اليومي، ويشكل أكثر من 7 في المئة من إجمالي الصادرات النفطية الايرانية. ووفق بيانات هيئة تنظيم سوق الطاقة التركية للعام 2017، باتت إيران أكبر مورد للنفط إلى تركيا اذ تزودها بما يقرب من نصف احتياجاتها السنوية منه بواقع 11.5 مليون طن من أصل 25.7 مليون طن. وتعد تركيا أكبر مستورد للغاز الإيراني عبر خط أنابيب ينقل 10 بلايين متر مكعب سنوياً، وستواصل تركيا شراء 9.5 بليون متر مكعب أخرى حتى عام 2026 بموجب صفقة طويلة الأجل بين البلدين.

وتأبى أنقرة منذ بداية 2012 الالتزام بالعقوبات الأميركية ضد طهران، وشدد وزير الاقتصاد التركي نهاد زيبكغي على رفض بلاده قطع العلاقات التجارية مع إيران والامتثال للمطالبات الأميركية بالتوقف عن شراء النفط الإيراني. وبعد يومين من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب انسحاب بلاده من الاتفاق النووي مع إيران يوم 8 أيار (مايو) الماضى، اعتبر الوزير التركي ذلك القرار فرصة لتركيا، التي لا تدخر وسعاً لاستغلال موقف إيران المهترئ سوقياً وحاجتها إلى تصدير نفطها بأي طريقة وبتسهيلات ائتمانية ومالية غير مسبوقة وبأسعار أدنى من السعر الدولي، فضلاً عن الاستفادة من فارق التقدير الرسمي الإيراني وفقاً لموازنة العام المالي الفارسي الذي بدأ فى 21 آذار (مارس) الماضي. وتراهن أنقرة على توقعات خبراء بألا تكفي تفاهمات كل من روسيا والسعودية لتعويض تراجع صادرات النفط الإيرانية والليبية والفنزويلية من خلال رفع الإنتاج بواقع مليون برميل يومياً، للحد من الخسائر الناجمة عن أفول الصادرات الإيرانية وتراجع الإنتاج لدى كل من فنزويلا وليبيا، ما يفاقم الأخطار الجيو- سياسية، خصوصاً في ظل معاناة سوق النفط العالمي من نقص المعروض، علاوة على تصاعد احتمالات ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات عالية جراء تهافت شركات النفط العالمية للعثور على إمدادات نفطية بديلة لتعويض خسارة الشحنات الإيرانية. ولوحظ أن شركات النفط الصينية تكبدت تكاليف باهظة بعدما استجلبت كميات هائلة من نفط الأورال عبر ميناء روتردام في رحلة طويلة وغير معتادة للناقلات، فيما ارتفع خام عُمان على غير العادة، وازداد الطلب على نفط البصرة الخفيف.

وخلافاً لتوقعات خبراء بأن تتلافى أنقرة تصعيد التوتر مع واشنطن هذه الأيام من خلال التزام العقوبات النفطية الأميركية الجديدة على إيران وتعويض النقص في وارداتها النفطية عبر السعودية أو ليبيا، أكدت وزارة البترول السعودية أن مسؤولي الطاقة الأتراك لم يطلبوا كميات إضافية من النفط السعودي، فيما يعد النفط الليبي من النوع الخفيف منخفض الكبريت، ومن ثم لا يمكن أن يحل محل النفط الإيراني أو السعودي عالي الكبريت. وبدوره، شدد مسؤول تركي على مواصلة بلاده شراء النفط من إيران ما لم تدعم الأمم المتحدة العقوبات النفطية الأميركية أو تتبناها، ما يجعلها أحادية الجانب، ويشجع قوى إقليمية ودولية شتى على معارضتها.

من جهة أخرى، وبموازاة ما سبق، لم تتوان تركيا عن الإلحاح في مطالبة الجانب الأميركي باستثنائها من العقوبات على إيران، كما بدأت شركة «توبراش»، أكبر شركة تكرير نفط تركية إجراء محادثات مع مسؤولين أميركيين للحصول على إعفاء يسمح لها بمواصلة شراء النفط الإيراني. وهو المطلب الذي لم تفقد أنقرة الأمل في بلوغه، خصوصاً بعدما أكد مدير التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأميركية أن سعي بلاده إلى زيادة الضغط على النظام الايراني عبر الهبوط بإيراداته من مبيعات النفط الخام إلى الصفر لن يمنعها من العمل مع دول تقلص وارداتها من إيران على أساس كل حالة على حدة، من دون تقديم أي تراخيص أو إعفاءات في ما يخص العقوبات الأخرى.

* كاتب مصري