الكوارث الطبيعيّة تتحدّى تحويلها فرصاً لعمل مشترك

تونس - مي الشافعي |

شهدت العاصمة التونسيّة أخيراً انعقاد «المؤتمر العربي الأفريقي للحدّ من أخطار الكوارث» في دورة رابعة. وشكّل المؤتمر مساحة للتعاون وتبادل الخبرة في مجال مجابهة الكوارث. إذ حضره عدد كبير من الوزراء وممثّلين عن مجموعة من الحكومات والمجتمع المدني والقطاع الخاص والمنظّمات الإقليميّة والدوليّة. وتأثّرت أجواء المؤتمر بحوادث طبيعيّة كبرى (تسونامي، أعاصير، زلازل...)، عانتها أخيراً اليابان وأندونيسيا وأفريقيا وشمال شرق آسيا والقارتين الأميركيّتين والعالم العربي. وكانت ولاية نابل في تونس تعرضت أيضاً لسيول عارمة وفقدت ستّة من أبنائها، إضافة إلى دمار واسع في بنيتها التحتيّة. وخلال المؤتمر، ثارت تساؤلات كثيرة حول مدى سرعة الاستجابة للأخطار الطبيعيّة، ومدى توفّر المعلومات الدقيقة لدى الدول عن طبيعة تلك الأخطار وأحجامها، وقدرات الدول النامية في مواجهتها بشريّاً وتكنولوجيّاً، وآليات الإنذار المبكّر، ومدى الالتزام بـ «اتّفاق باريس للمناخ- 2015» لتقليل انبعاثات التلوّث وكبح جماح التغيرات المناخيّة التي تغذّي وتيرة تلك الكوارث الطبيعيّة.


وتبيّن أيضاً أن التقارير الدوليّة تؤكّد اتّجاه المناخ إلى مزيد من التطرّف وأنّ 90 في المئة من الكوارث لها صلة بتغيّر المناخ. واتّضح أن التحرك العاجل بات مطلوباً بهدف بناء مجتمعات قادرة على مجابهة الأخطار والكوارث. وجرى التذكير بوجود خطة عالميّة للحدّ من أخطار الكوارث تسمّى «خطة عمل «هيوغو»: 2005- 2015». وكذلك جرت استعادة «إطار عمل سينداي للحدّ من أخطار الكوارث» وهو يحمل اسم المدينة اليابانيّة التي استضافة مفاوضاته في العام 2015. ويفترض الاستمرار التقيُّد بذلك الإطار حتى العام 2030. إذ يهدف إلى التقليل من أعداد ضحايا الكوارث، وخفض الخسائر الاقتصاديّة الناجمة عنها وهي تؤثّر أيضاً على المداخيل القوميّة للدول، خصوصاً النامية.

في السياق عينه، ذُكِرَ أن «برنامج الأمم المتحدة للحدّ من أخطار الكوارث» رصد خسارة ما يزيد على مليون إنسان بين عامي 2008 و2017 بأثر كوارث الطبيعة، مع تأثّر حيوات ما يفوق 2 بليون شخص بها، إضافة إلى خسائر اقتصاديّة ببلايين الدولارات.

وبيّنت نقاشات المؤتمر عينه، أن إحدى الخطوات المهمّة التي أنجزها «برنامج الأمم المتحدة للحدّ من أخطار الكوارث» أخيراً إطلاق نظام للتحكّم والرصد يعمل على تجميع تقارير الدول عن مدى التقدّم المُحرّز لتحقيق أهداف «إطار سينداي» مع ما يرتبط بها من أهداف التنمية المستدامة، كالقضاء على الفقر ومواجهة تغيّرات المناخ، ودعم المُدُن المستدامة وغيرها. ويعتمد النظام عينه على مجموعة من المؤشّرات المحدّدة في شكل مشترك بين البرنامج والدول التي يتعامل معها. ووصولاً إلى العام 2020، يستمر النظام نفسه في تحليل المعلومات التي تقدّمها الدول بهدف تكوين صورة أوضح عن الوضع العالمي في شأن مجابهة الكوارث، بما فيه الحاجات الأكثر إلحاحاً، والفجوات في التنفيذ وغيرها. وحتى الآن، لم تُعِد سوى 7 دول عربيّة خططاً وطنيّة للحدّ من أخطار الكوارث.

إشكاليّة التنمية والاستدامة

تواكب انعقاد «المؤتمر العربي الأفريقي...»، مع «اليوم العالمى للحدّ من أخطار الكوارث» 13 تشرين أول (أكتوبر)، الذي ركّز هذه السنة على مشكلة الخسائر الاقتصاديّة وتأثيرها على الدخل القومي للدول، والعلاقة المتشابكة بين أهداف التنمية المستدامة والحدّ من أخطار الكوارث والتغيّر في المناخ.

وتناولت تلك المشكلة السيدة كيرسى مادي، مديرة «برنامج الأمم المتحدة...»، مشيرة إلى أنه «لا يمكن في أي شكل تحقيق التنمية المستدامة إذا لم نُدرِج الحدّ من أخطار الكوارث مع النظر إلى عدد الكوارث وكثافتها ومعدل تكرارها الآن، وتأثيراتها الخطيرة على الأرواح والاقتصاد، إضافة إلى تدمير البنية التحتيّة، والتأثير في الدخل القومي للبلاد... إذا لم نفهم جيّداً، لن نستطيع تقليل أخطار الكوارث، بل سنهدر ما تحقّقه التنمية... هناك فرص كثيرة تبرز عندما نعمل على التخطيط العلمي السليم الذي يراعي كل ما يتعلق بالبنية التحتيّة القويّة، مع توجيه الاستثمارات الخاصة والعامة، وتطوير طُرُق بناء مدننا وتخطيطها... يمكن لذلك كلّه أن يساعد في الإقلال من أخطار الكوارث، لكن المفتاح الأبرز هو أن نفهم طبيعة الأخطار وآثارها. ويعني ذلك أيضاً ضرورة أن ندمج كل فئات المجتمع داخل تلك الخطط».

وتناولت مادي أيضاً مشكلة التغيّر في المناخ، وقالت: «أصبح واضحاً مدى الارتباط بين تزايد الكوارث الطبيعيّة من جهة، والاحتباس الحراري والتغيّر في المناخ من الجهة الأخرى. وليس أمام العالم من طريق سوى العمل على تقليل انبعاثات غازات التلوّث المرتبطة بالاحتباس الحراري وتغيّر المناخ، خصوصاً عبر تطبيق «اتفاق باريس للمناخ». وتحدّثت عن التوجّه البيئي السائد حاضراً حيال الكوارث، مشيرة إلى الأهميّة القصوى لأعمال الاستعداد للكوارث، وكذلك الحال بالنسبة إلى الاستجابة لعواقبها. وقالت: «إن الاستعداد والاستجابة للكوارث مهم جداً بالطبع، لكنه غير كافٍ. إذ لا يمكن أن نكتفي بالاستجابة للكوارث وما ينتج عنها من دمار، إذا كانت هناك فرصة لاستخدام سُبُل الإنذار المبكّر والتوعية والإعداد الجيد الذي يمكننا من مجابهة الكوارث بخسائر أقل كثيراً».

وفي ذلك الإطار، أكّدت مادي أنه لا يكفي وجود نظام للإنذار المبكّر بل الأهم هو «أن تصل الرسالة إلى الجميع، وأن يكون نظاماً فعالاً... (لنأخذ مثلاً ما حدث في إندونيسيا من ارتفاع أعداد ضحايا التسونامي)، لابد من أن يتوفر للناس جميعاً والمجتمعات كلها، إجابات على سؤال ما العمل عند التعرّض للكارثة... إذاً، التوعية يجب أن تشمل التعليم والتدريب وبناء القدرات»، وفق كلماتها.

وقدّمت مادي إجابة وافية عن سؤال طرحته «الحياة» عن طرق تعامل «برنامج الأمم...» مع قرارات صعبة تكون أحياناً مهمة كإخلاء السكان من مناطق معينة أو منع البناء في مناطق أخرى، أو وقف بعض النشاطات في السواحل وغيرها. وقالت: «في تلك الأحوال، نركز على ضرورة تفهّم الحكومات لطبيعة الأخطار وآثارها كي نعمل معها على وضع خرائط للأخطار والبدائل العمليّة... في ذلك السياق، نحث الدول على إدماج المجتمع بكل طوائفه في خططها التنموية، إضافة إلى مشاركة الخبراء والعلماء أيضاً. إذا عرف الجميع الأخطار المُحدِقَة بهم وببلادهم ومناطقهم، فسيتقبلون القرارت الصعبة. لا يمكن اتخاذ تلك القرارات في حجرات منفصلة ومعزولة عن المجتمع، بل إنّ تلك الخرائط للأخطار مهمة جداً للدول كلها لأنها تحدد طبيعة المساعدات التكنولوجيّة والفنيّة التي تحتاجها»، وفق كلماتها.

كذلك تناولت مادي خطط «برنامج الأمم...» في شأن مناطق الصراعات والنزاعات واللاجئين والمهاجرين، فقالت: «ندرك بالطبع أن الكوارث الطبيعيّة ربما تكون أحد العوامل المؤجِّجة للصراعات، ولدينا وعي كامل بأن كثيراُ من الجوانب المتعلقة بظاهرة اللاجئين والمهاجرين تتصل بكوارث الطبيعة على غرار الجفاف في منطقة الصحراء الكبرى... لا يوجد الآن برامج مختصّة في ذلك الشأن، لكننا نكثّف العمل مع الحكومات والمدن لتقوية البلدان في مجال وضع خطط وطنيّة في شأن الإقلال من آثار الكوارث، والتوصل إلى آليات عمليّة لتنفيذ تلك الخطط».

واختُتِمَت أسئلة «الحياة» للسيدة مادي بإشارة إلى مدى اهتمام تقارير برنامجها بظاهرتي الجفاف والعواصف الرمليّة اللتان تؤثّران على المنطقة العربيّة ومناطق واسعة من أفريقيا، مع ملاحظة أن الجفاف ظاهرة تمتد لسنوات طويلة. وأجابت: «لديكم الحق تماماً... يصدر في العام المقبل تقرير خاص عن الجفاف. وحاضراً، نعمل مع مجموعة من الخبراء الدوليين في ذلك المجال».