التعليم كالماء والهواء لكن العبرة تقتصر على الشهادة و «ختم المرور»

نظام التعليم العالي في المنطقة العربية تحت ضغوط هائلة بسبب التحديات (الفنار)
القاهرة – أمينة خيري |

بينما الدولة غارقة في محاولات إصلاح ما لحق بالتعليم على مرّ عقود من هلهلة فكرية وفوضى تنظيمية وسيطرة لقوى أبعد ما تكون عن التعليمية أو التربوية، وبينما موازنات الوزارات والصناديق تصارع من أجل تخصيص الأموال وتوجيه الموارد لمدّ يد العون إلى المنظومة التي يقول الجميع أن نجاة البلاد وإنقاذ العباد تقبعان في النهوض بها، إذ بكشف مجتمعي جديد واكتشاف تربوي حديث يشيران إلى أن قطاعاً من الأهل توقفوا عن النظر إلى التعليم باعتباره كالماء والهواء، بل مجرّد ورقة وختم مرور إلى مجال التوظيف المضمون.


«التوظيف مضمون لكن المشكلة تكمن في إنهاء سنوات الدراسة الجامعية الأربع. لا يهمني التقدير الذي أحرزه أو نوعية التعليم التي أحصل عليها. المطلوب شهادة بكالوريوس لأنه من غير المعقول أن أكون نائب مدير شركة أو مسؤول خط إنتاج في مصنع ويعمل معي فريق يحمل أعضاؤه شهادات أعلى مني». رؤية مهاب الجنيد (24 سنة) الطالب في السنة الثانية في إحدى الجامعات الخاصة في مصر، لقيمة التعليم لم تصدم والداه. بل الغريب إنهما يؤكدان وجهة نظره ويكللان ما قال بتأكيد أن تعليم الحياة العملية أهم مئة مرة مما يحصل عليه في الجامعة من مناهج عقيمة.

عقم مقولة التعليم كالماء والهواء التي قالها عميد الأدب العربي الراحل طه حسين قبل أكثر من 7 عقود، أدى إلى فقدان قطاع من الأهل إيمانهم بقيمة التعليم، أو بالأحرى بقيمة جودته.

وتعاني هذه الجودة التي تقف على الجبهة المقابلة لمنظومة الكم الأمرّين. فمن جهة، انصب الاهتمام الرسمي والخاص في مصر على أعداد المدارس والجامعات التي يشيّد وتفتتح لاستقبال ملايين الطالبات والطلاب على مرّ سنوات طويلة، وهو اهتمام نال من النظر إلى جودة التعليم ونوعية ما يقدّم في داخل تلك الأبنية.

أبنية خرسانية لا أول لها أو آخر، بعضها مزوّد بمسابح وملاعب، وبعضها الآخر يحمل إشهارات ضخمة باتفاقات تعاون مبهرة مع مؤسسات تعليمية عالمية، وغيرها من أساليب الترويج والتسويق لجذب أبناء الفئات الميسورة.

وقد أبلت هذه الأساليب بلاء حسناً، إذ انتشرت انتشاراً كبيراً في أنحاء البلاد، لا سيما في المدن الكبرى. مدارس تحمل أسماء أشهر من نار على علم تتراوح بين «كامبريدج» و»أوكسفورد»، وجامعات تضع اتفاق التعاون المبرم مع معاهد وجامعات بريطانية وفرنسية وألمانية وإسبانية وأميركية قبل اسمها، وطوابير طويلة تصطف أمام مكاتب التقديم والالتحاق أملاً بنيل ورقة مزخرفة في نهاية 4 سنوات تحمل ختم المرور إلى الوظيفة التي يقول كثر إنها مضمونة.

ولا يزال بعضهم يرى ضمان مستوى المتخرجين قابعاً تحت ختم المكاتب المختصة في هذه الجامعات، لكنه ضمان وهمي. وصحيح أن بعض هؤلاء يكون على مستوى عال من التعلم والتميّز، لكن الملاحظ في العقد الأخير، لا سيما في التعليم الخاص، أن الجودة لا تهم والنوعية لا تصنع الفرق في تحديد مستقبل المتخرّج.

ويكشف الدكتور عماد فوزي، أستاذ التخطيط الاستراتيجي في إحدى الجامعات الخاصة، أنه على مدار عمله الأكاديمي على مدى أكثر من 10 أعوام، لاحظ تدنياً ملحوظاً في نوعية الطلاب مع تغاضٍ واضح من الأهل على هذه الظاهرة. ويوضح: «شهدت الأعوام الأخيرة هبوط منحنى إقبال الطلاب على تحصيل العلم وحضور المحاضرات، وللعلم ليست لهذا علاقة بمستوى الذكاء أو القدرة على التحصيل، فبينهم طالبات وطلاب بالغو الذكاء والتميّز في الفكر، لكن منهم من اتخذ قراراً مسبقاً بأن تمر سنوات الدراسة الجامعية بالطول أو بالعرض الى حين التخرّج وتقلّد الوظيفة أو المنصب المنتظر، سواء في مكان عمل يملكه الأهل أو الأقارب، أو عبر وساطة في مكان عمل مثل مصرف أو شركة كبرى أو ما شابه».

ويشرح فوزي كيف أن تلك النوعية من الطلاب كثيراً ما تكون قادرة على الاطلاع والتحصيل السريع. فأفرادها يذاكرون ليلة الامتحان ما قلّ ودل من المناهج ثم يسكبونها على ورقة الامتحان ويحرزون درجات تضمن النجاح. ويضيف أن اتصالهم بشبكة الإنترنت وقدرتهم على الاطلاع على ما يختارون من معارف أو معلومات، تجعلهم يبدون كأنهم متعلمون تعليماً جيداً على رغم أنهم ليسوا كذلك.

كذلك الحال بالنسبة إلى أهالي هذه الفئة، إذ يعبّر بعضهم عن فقدان الثقة في نظام التعليم والأمل في أن يكون محتوى التعليم، مواكباً لما تحتاجه فعلياً سوق العمل. تقول سهى حسام (50 سنة) وأم لطالب جامعي «من بُعد» ومساعد مدير الشركة التي يملكها والده: «تفكيرنا واقعي جداً، فبعد حصول إبني على شهادة الديبلوم الأميركية بطلوع الروح (بصعوبة كبيرة) نظراً الى كراهتيه الشديدة لفكرة التحصيل المدرسي والحفظ والامتحان. واتفقنا على أن يلتحق بجامعة تمنح تعليمها أون لاين (عبر الإنترنت) لنضرب عصافير عدة بحجر واحد. فمن جهة، سيحصل في نهاية المطاف على شهادة اسمها شهادة جامعية لأن البرستيج الاجتماعي في مصر يحتمّ ذلك، ومن جهة أخرى لن يشعر بضغط الذهاب إلى الجامعة يومياً، ومن جهة ثالثة تمكن من الانتظام في عمله مع والده في الشركة».

وعلى رغم أن هذه النوعية من الأهل والبنات والأبناء تبقى أقلية في مصر، وذلك لأسباب اقتصادية بحتة حيث تقتصر القدرة على إلحاق الأبناء بالجامعات الخاصة الباهظة التكاليف واتفاقات التعاون الكبرى على نسبة ضئيلة من الشعب. لكن النسبة الأكبر منه لا يمضي أبناؤها من دون مشكلات تعليمية. ووفق بيانات البنك الدولي في ما يتعلّق بالتعليم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، هناك علاقة إيجابية كبيرة بين التعليم العالي والتنمية، حيث تلعب الجامعات دوراً محورياً في إيجاد منظومة جديدة من المعرفة والقدرات والمهارات التي تؤدّي إلى النمو الاقتصادي. ويشير التقرير إلى أنه على رغم نسب الاستثمار المرتفعة التي وضعتها بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في التعليم، إلا أن النتائج متواضعة. ويضيف التقرير أن «أنظمة الجامعات في هذه المنطقة أخفقت إلى حد كبير في تزويد متخرّجيها بالمهارات المطلوبة للبقاء في سوق العمل الحديثة».

ووفق اختصاصية التعليم الأولي في البنك الدولي أدريانا غاراميلو، يرزح نظام التعليم العالي في المنطقة العربية تحت ضغوط هائلة حالياً بسبب التحديات التي فرضها واقع الربيع العربي. وتشير إلى أن أحد المتطلّبات الكبرى لثورات الربيع العربي كان الحصول على تعليم جيد وذي جودة عالية مع الحصول على وظيفة جيدة بعد التخرّج.

وفي مصر حيث تواترت الأحداث في الأعوام السبعة الأخيرة لتضع قدراً أكبر من الضغوط على الدولة والقائمين على أمر التعليم سواء الرسمي أو الخاص. وكانت النتيجة فاتورة باهظة تسددها نوعية التعليم الذي عاود الهبوط في لائحة الأولويات، مفضلاً «ماء» الشهادة التي تضمن قبولاً مجتمعياً و»هواء» الختم الذي يفتح أبواب الوظيفة المضمونة مسبقاً، وذلك في رعاية بعض الطلاب وتصديق أهلهم.