الكهرباء من البحر أيضاً

إعداد أحمد مغربي |

لنبدأ من قول فرنسي شائع ومعروف: «لا يشبه الأمر شُرْبَ البحر»، وهو يستعمل في الإشارة إلى ضرورة إنجاز شيء ما يكون صعباً، لكن ليس كل أمر صعب هو مستحيل بالضرورة. ومنذ وقت غير قصير، يعرف نشطاء البيئة أن الشِعاب المُرجانيّة الكبرى القريبة من شواطئ المحيطات والبحار، تعاني ظاهرة تغيّر لونها إلى الأبيض وهو مؤشر على ضعفها وذوائها. ولطالما رفعت مؤتمرات البيئة ولقاءاتها ومنتدياتها الصوت عالياً مطالبة بالبحث عن حلول فعليّة لظاهرة تَبَيُّض الشِعاب المُرجانيّة، لأن تآكلها يهدد التوازن البيئي في المسطحات المائيّة الكبرى، وكل مظاهر الحياة فيها، وصولاً إلى البشر الذين يعيشون قربها ويعتاشون منها.


وأخيراً، ظهر رأي علمي مثير في شأن علاج ظاهرة تَبَيُّض الشِعاب المُرجانيّة، يستند إلى ضرورة ضخ تيّارات كهربائيّة بصورة مستمرة فيها. وعلى رغم أن تلك الكهرباء الشافية تستند إلى تيّارات خفيفة نسبيّاً، إلا أن إيصالها وتمريرها عبر الكتل الهائلة للشِعاب المُرجانيّة، يقتضي وجود طاقة كهربائيّة ضخمة تكون متدفّقة على مدار الساعة.

ولعله من حُسِن الحظ أن تلك الكهرباء ربما تكون أقرب إلى الشِعاب المُرجانيّة من... حبل الوريد. إذ يعمل علماء أميركيّون كثيرون على استخراج طاقة الكهرباء من التيّارات المائيّة للبحار والمحيطات. ووفق تقارير علميّة متقاطعة، ربما تشكّل تيّارات المياه البطيئة في المحيطات والأنهار مصدراً موثوقاً للطاقة البديلة والمقبولة السعر أيضاً. وفي الآونة الأخيرة أيضاً، ابتكر عالِم في «جامعة متشيغن» آلة تعمل على مبادئ السباحة التي تتبعها الأسماك، وتستطيع التقاط الذبذبات التي ترافق التيّارات المائيّة في البحار والأنهار، وتستولد منها طاقة نظيفة ومتجدّدة.

وتسمّى تلك الآلة «فيفاس» (هي كلمة من أصل لاتيني معناها «الطاقة الحيّة»)، وهي أيضاً تختصر عبارة باللغة الإنكليزيّة معناها «الذبذبات الناتجة من حركة دوران التيّار لتوليد طاقة مائيّة نظيفة». وتعتبر «فيفاس» أول مولّد كهربائي معروف يستند إلى التعامل بكفاءة مع الطاقة الكامنة في معظم التيّارات المائيّة البطيئة، إذ يتفاعل مع تيّارات تقلّ سرعتها عن عقدتين، ما يساوي سرعة مِيلَيْنِ بحريّينِ في الساعة. ويُعرَف عن التيّارات المائيّة أن معظمها يتحرك بسرعة تقل عن 3 عقد. وفي المقابل، تحتاج طوربينات السدود المائيّة وطواحين الماء إلى سرعة تتراوح بين 5 و 6 عُقَدْ كي تستطيع توليد الكهرباء في شكل فعّال.

ولعلها بديهية الإشارة إلى أن تلك الآلة لا تعتمد على الأمواج وحركتي المدّ والجزر، ولا تستعمل الطوربينات ولا تقتضي إنشاء السدود! ويمكن وصفها بأنها نظام طاقة متميّز يعتمد على علم حركة السوائل في حال الميوعة، ويعمل بفضل «الذبذبات الناتجة عن حركتي الدوران والتدويم».

نشاط ضخم في سوائل ساكنة!

من المستطاع شرح آليّة عمل مولّد «فيفاس» إنطلاقاً مما هو معروف علميّاً من أن الذبذبات الناتجة من حركة دوران الماء ( التدويم) تكون على شكل تموّجات دائريّة أو إسطوانيّة، وتظهر أثناء عملية تدفق السوائل، بل ربما تصطحب معها بعض التيّارات الهوائيّة أيضاً. وإذ يوضع مولّد «فيفاس» في قلب تلك التيّارات، ينشأ وضع يشبه صنع «عُقْدَة حبل» في مواجهة التدفّق السائل، ما يؤدّي إلى نشوء تيّارات على شكل دوّامات مائيّة، تتّخذ شكلاً معيّناً عند طرفي ذلك المولّد. وتعمل الدوّامات على دفع المولّد ذهاباً وإياباً أو يمنة ويسرة، بطريقة تُذكّر بتحريك السمكة لذيلها أثناء السباحة، في شكل متعامد مع التيّار الرئيسي للماء.

وعلى رغم تدفّقها في تيّارات بطيئة، إلا أن مقدار الطاقة التي تختزنها الدوّامات المائيّة ليست هيّنة أبداً. إذ أدّت ذبذبات من ذلك النوع إلى انهيار جسر كبير في واشنطن في العام 1940، وكذلك الحال بالنسبة إلى أبراج التبريد التابعة لمحطة توليد التيّار الكهربائي في إحدى المُدُن الإنكليزيّة الكبرى في 1965. وفي الماء، تُلحِق ذبذبات مُشابِهة الضرر باستمرار بأرصفة السفن وحفّارات النفط والمباني الساحليّة وغيرها.

وفي تصريحات ظهرت في غير مجلة علميّة، أوضح مايكل برنيتساس مطوّر مولّد «فيفاس»، وهو أستاذ في قسم هندسة بناء السفن والهندسة البحرية في «جامعة متشيغن»، طريقة عمله قائلاً: «خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، عمل المهندسون بدأب، وأنا من بينهم، على إلغاء الذبذبات الناتجة عن الدوّامات.

أما الآن، نعمل في «جامعة متشيغن» بطريقة تعاكس ذلك تماماً، إذ نسعى إلى تعزيز تلك الذبذبات، بهدف ترويض الطاقة الطبيعيّة القويّة التي تكتنزها».

وأعطى برنيتساس مثلاً عن مصدر إلهامه في استنباط الطاقة من تيّارات الماء البطيئة، فقال: «إنّ الأسماك لطالما أحسنت استعمال تلك الذبذبات الناتجة عن الدوّامات لمصلحتها». وتتضمن كلماته إشارة إلى الشبه بين حركتي «فيفاس» وذيل السمكة. وأضاف: «يحاكي مولّد «فيفاس» بعض خصائص تقنيّة الأسماك... إذ نعرف أن الأسماك تلوي أجسامها لتنزلق بين الدوّامات، وتبقى في ظلّ الأسماك السابحة أمامها. ولنلاحظ أن أجسامها تعجز بمفردها عن الاندفاع إلى الأمام عبر المياه بالسرعة التي تتنقل بها، لذا تتقدّم الأسماك في ظلّ بعضها بعضاً. ويُفَسّر ذلك جزئياً بعض المكاسب التي تجنيها الأسماك من ترحالها على هيئة أسراب كبيرة العدد، إذ تصبح حركتها أكثر سهولة وانسيابيّة».

إنها تضيء لكنها ... تحت الماء

الجيل الحاضر من الآلات التي صمّمها برنيتساس لا يشبه الأسماك على الإطلاق! وعلى رغم ذلك، يصرّ المهندس على القول إنّ النُسخ المستقبليّة من «فيفاس» تحمل ما يشبه الذيل، كما تشتمل على سطح خشِن يذكّر بحراشف الأسماك أيضاً. والحق أنه يعمل في مختبره على نماذج تُشبه القوالب الإسطوانيّة الطويلة المربوطة بزنبركات متفاوتة القوّة. وخلال التجارب، يبقى القالب الإسطواني معلّقاً وسط التدفّق المائي في خزّان بحجم جرّار كبيرة أو مقطورة سيارة صغيرة، رُكبّت في غرف ضمن «مختبر الطاقة البحرية المتجددة» الذي يشرف عليه. وتتدفق المياه في تلك الأوعية بسرعة لا تزيد على 1.5 عقدة.

إنطلاقاً من وصف تلك الأدوات التي يستخدمها برنيتساس في مختبره، من المستطاع وصف الطريقة التي تعمل بها آلة «فيفاس» على نحو مُبسّط. إذ يتسبب وجود القالب الإسطواني وسط التيّار، بحد ذاته، بدوّامات متفاوتة في أعلى القالب وأسفله. وتدفع الدوّامات القالب الراكد ذهاباً وإياباً. ويتحرّك على الرفّاسات، ما يجعله قادراً على إنتاج طاقة ميكانيكية. ثمّ تعمل أدوات كهرومغناطيسية على تحويل الطاقة الميكانيكية إلى تيّار كهرباء!

ربما يكفي عدد قليل من القوالب الإسطوانيّة لتحريك سفينة راسية أو إضاءة منارة، وفقاً لبرنيتساس. ويمكن تكديس القوالب الإسطوانيّة على سُلّم قصير. ويقدّر ذلك الباحث أنّ مجموعة من مولّدات «فيفاس» بحجم حلبة سباق وارتفاع طابقين قادرة على إمداد زهاء مئة ألف منزل بالتيّار الكهربائي، إلا أنّه يتوجّب وضع المنشأة برمتها تحت الماء.

ولأنّ مولّد «فيفاس» يتحرّك في بطء غالباً، تشير النظريّات إلى أن ذلك النظام لن يُضرّ بالحياة البحرية وكائناتها، وهو المأخذ الرئيسي على الآثار الجانبيّة للسدود وطوربينات المياه وغيرها من الوسائل المستعملة في استخراج الطاقة من المياه راهناً.

ويضيف برنيتساس أن الطاقة التي ربما أنتجها مولّد «فيفاس» مستقبلاً تكلّف زهاء 5.5 سنتاً للكيلوواط/ ساعة. وتكلّف طاقة الرياح 6.9 سنتاً للكمية عينها، في حين أن الكلفة نفسها تصل إلى 4.6 في الطاقة النوويّة. وكذلك تتراوح الكلفة عينها بين 16 و48 سنتاً في حال استخراجها من طاقة الشمس، وذلك رهناً بالمناخ السائد في الموقع الذي تُشاد فيها ألواح الطاقة الشمسيّة ومحطاتها.

وقال برنيتساس أيضاً: «لن يتوافر حل وحيد وحصري بالنسبة إلى تلبية حاجات الطاقة عالمياً. وفي المقابل، إذا استطعنا ترويض كسر بالألف من الطاقة الكامنة في أحد المحيطات الكبرى، فلربما نغطي حاجات الطاقة لما يفوق 15 مليار نسمة»!

وفي السياق عينه، أجرى الباحثون أخيراً دراسة جدوى اقتصاديّة كشفت أن الآلة «فيفاس» ربما تنجح في سحب الطاقة من نهر ديترويت. ولذا، ينكب فريق علمي راهناً على تركيب نموذج منها في ذلك المكان. ويُتوقّع الإنتهاء من إعداده في غضون 18 شهراً.