تعطيل الحكومة يعوّض لإيران أوراقاً إقليمية وسفير فرنسا يستغرب عرقلة «حزب الله» التأليف

النواب السنة الستة المنضوون في إطار «اللقاء التشاوري» السني (الوكالة الوطنية للإعلام)
بيروت - «الحياة» |

لا يملك أي من الأوساط المعنية بالتعجيل في إنجاز الحكومة اللبنانية تحت وطأة الحاجة الملحة إلى قيامها من أجل معالجة الوضع الاقتصادي المتردي، أي جواب عن طريقة معالجة مطلب «حزب الله» توزير أحد النواب السنة الستة المنضوين في إطار «اللقاء التشاوري» السني والمنتمين إلى معسكر حلفاء الحزب وسورية.


ومع خطر غرق لبنان في العتمة، ولو الجزئية، نتيجة الحاجة إلى تشريع صرف قيمة الفيول أويل لتشغيل معامل إنتاج الكهرباء الذي تنتظر باخرتان في عرض البحر صرف اعتمادات الكمية التي تنقلانها لحساب لبنان، فإن خطر تمديد تعطيل تأليف الحكومة مفتوح على شتى الاحتمالات.

فبعض الأوساط السياسية يرى أن عقدة تمثيل نواب 8 آذار لا يمكن أن تطول وبالتالي لا بد من أن يجد التحالف بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وبين «حزب الله» الذي يتمسك بتمثيل هؤلاء، المخرج المناسب خلال أسبوع أو 10 أيام، لأن الوضع لا يحتمل تأخيراً أكثر.

وفي المقابل تعتقد أوساط أخرى أن الحزب لم يعلن أن «الحكومة لا تكتمل إلا بتمثيل السنّة المستقلين»، حتى يتراجع عن هذا الالتزام بسرعة، وأن وراء الأكمة ما وراءها في هذا التشدد، وأن أهدافه من تعطيل ولادة الحكومة لها أبعاد تتعدى الوفاء لحلفائه في الساحة السنية. وهذا ما يجعل أوساط الحزب تردد، فمن انتظر 5 أشهر لحلحلة عقد التمثيل يمكنه الانتظار أكثر.

وتتعدد القراءات لأهداف ما سماه الرئيس عون الأربعاء «نوعاً من التكتكة السياسية التي تضرب استراتيجيتنا الكبيرة»، من قبل «حزب الله». فهو عبّر من خلال هذا الوصف عن امتعاضه من أن موقف الحزب حجب هدية الحكومة عن الذكرى الثانية لانتخابه.

الديبلوماسية الفرنسية وتعطيل الحزب

وعلى رغم التكهنات بأن تجميد إعلان الحكومة حرّك دولا غربية للضغط واستعجال التأليف في المقابل، مثل زيارة السفير الفرنسي برونو فوشيه للرئيس عون أول من أمس، فإن مصادر المعلومات أوضحت لـ «الحياة» أن فوشيه زار القصر الرئاسي من أجل التباحث مع عون في اقتراحه إقامة «اكاديمية الإنسان من أجل الحوار والتلاقي» التي طرح أن يكون مركزها لبنان في خطابه في الأمم المتحدة. وذكرت المصادر أنه تخلل اللقاء جولة أفق في الوضع السياسي، فهنأ فوشيه عون على موقفه الداعم للرئيس المكلف سعد الحريري (أكد أنه تجب تقوية رئيس الحكومة أياً يكن وليس إضعافه وأيد موقفه من تمثيل سنة 8 آذار). كما أشارت المصادر إلى أن فوشيه قال إنه لم يفهم خلفيات موقف «حزب الله» تعطيل إعلان الحكومة، وأعاد تأكيد نية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون زيارة لبنان في شهر شباط (فبراير) المقبل، مشدداً على وجوب أن تكون هناك حكومة جديدة قبل الزيارة.

في القراءة التي تربط تعطيل الحكومة بالوضع الإقليمي والدولي والعقوبات على إيران والحزب، يشير القائلون بذلك إلى أن اعتماد الساحة البنانية من أجل توجيه الحزب وإيران الرسائل إلى دول الغرب عبر تعليق قيام الحكومة اللبنانية، يرمي إلى تذكير الولايات المتحدة بقدرة الحزب على التعطيل في بلد يتقاسم النفوذ فيه مع هذه الدول. ويقول هؤلاء إن طهران تحتفظ بأوراقها التفاوضية والضاغطة على واشنطن والدول الغربية في عدد من الدول التي لها قدرة متفاوتة على التأثير فيها، من أفغانستان إلى العراق وسورية واليمن وفلسطين... فضلاً عن اعتمادها على علاقتها بدول كبرى من أجل خرق الحصار النفطي عليها. لكن هامش المناورة لديها يضيق تدريجا مع تصاعد العقوبات، بحيث أن هذه القدرة مهددة بالتراجع في ظل تزايد عدد الدول التي أعلنت التزامها العقوبات على طهران، بما فيها تلك التي احتفظت بعلاقة سياسية أو تجارية أو نفطية معها، نتيجة خوف الأخيرة من أن تمسها العقوبات المالية التي بدأت مفاعيلها من ليل أمس. وفي حين ساد الاعتقاد أن لبنان آخر الساحات التي يمكن لطهران والحزب ممارسة الضغط فيها نظراً إلى تعدد أوراقهما في الساحات الأخرى، وإلى الحاجة لإبقاء لبنان ورقة احتياطية في لعبة الدول، فإن التضييق على طهران ربما فرض عليها استخدام الورقة اللبنانية. فهناك دول أفريقية وأميركية جنوبية وآسيوية كبرى، أعلنت الامتثال للعقوبات،على رغم الإعفاء الموقت لثماني منها. ويتيح ذلك مزيداً من «العزل لإيران عن النظام المالي العالمي» كما يأمل دونالد ترامب.

تعطيل أوراق إقليمية

وفي اعتقاد أصحاب هذا الرأي أن واشنطن تسعى بموازاة ذلك إلى إضعاف أوراق القوة الإيرانية في بعض دول المنطقة إذا كان ذلك يساعد في التفاوض معها على نفوذها الإقليمي وبرنامجها الصاروخي وتعديل الاتفاق على النووي معها. ويشير هؤلاء إلى سحب ورقة التصعيد من يدها في غزة، من طريق اتفاق التهدئة بين «حماس» وإسرائيل هناك الذي ترعاه مصر، وعبر تشجيع التفاهم الروسي الإسرائيلي في سورية، الذي يتيح تقليص حرية الحركة الإيرانية في بلاد الشام. هذا فضلاًً عن الضغط الغربي من أجل إعادة الحوثيين إلى طاولة المفاوضات في اليمن...

ويخلص القائلون بأن ميل إيران نحو التفاوض كما عبر عن ذلك وزير خارجيتها محمد جواد ظريف حين رحب بوساطة مسقط، بينها وبين الولايات المتحدة، لا يعني أنها تتخلى عن تشددها في الساحات القادرة على إظهار قوتها. ومن هنا العودة إلى استخدام لبنان كإحدى أوراق الضغط.

إلا أن هناك قراءة أخرى لدى الذين يعتقدون أن تعطيل الحكومة له خلفيات خارجية، مفادها أن الحزب اضطر إلى التشدد نتيجة مراعاته لحليفه النظام السوري. وتلاحظ أوساط سياسية راقبت التفاوض الجاري حول الحكومة أنها المرة الأولى منذ عام 2010، التي يجري فيها استبعاد وزير من الحزب السوري القومي الاجتماعي وحتى وزير بعثي (كما كان يحصل قبل عام 2005)، وهما الفريقان اللذان كانا يمثلان النفوذ السوري المباشر في البلد، من التركيبة الحكومية. فدمشق طالبت وفق ما تسرب في الأسابيع الماضية بوزراء محددين، واعتمدت من أجل ضمان ذلك على «حزب الله» الذي فرض تمثيله الكامل لتحدي العقوبات عليه، أن يحصل على 3 وزراء شيعة هم نصف الحصة الشيعية، بدلا من أن يتخلى عن واحد منهم لمصلحة الحزب القومي كما كانت تجري العادة. وبالتالي كان لا بد من أن يلجأ إلى تأمين تمثيل حلفاء دمشق عبر الحصة السنية، وهو ما طالبت به الأخيرة، بحجة انخفاض عدد نواب «تيار المستقبل» السنة بنتيجة الانتخابات النيابية.

ويقول بعض أصحاب هذا الرأي إن الحزب وجد نفسه محرجا مع حليفه السوري نظرا إلى ظهور حساسية في الآونة الأخيرة بينه وبين الجانب الإيراني بفعل جملة أمور حصلت على الساحة السورية، منها ذهاب طهران إلى ترجيح الدور التركي في إدلب بعدما كان الجيش النظامي هيأ لخوض المعركة العسكرية لاستردادها بالقوة. ومن مظاهر هذه الحساسية أيضاً عند حكام دمشق أن طهران تمادت في عقد الاتفاقات والتفاهمات حول الوضع السوري مع تركيا وروسيا في وقت يقدم النظام التسهيلات لها لتعزيز وجودها في بلاد الشام. وعليه كان لا بد للحزب من أن يتشدد في دعم المطلب السوري بتمثيل أحد حلفائها السنة. وهو أمر يستفيد منه الحزب في الوقت ذاته في التوازنات داخل الحكومة العتيدة وفي توجيه رسالة إلى من يفترض أنه ممسك بورقة الحكم في لبنان، حتى لو أدى ذلك إلى ظهور تباين بينه وبين حليفه الرئيس ميشال عون.