إلى القطار

قطار
محمود السانوسي عبادي |

وصول القطار لا يعني شيئاً... فأمي قالت: لن أسافر، وأختي قالت: لن أسافر، سائق التاكسي لم يطالبهم بالأجرة، إذ جلس على مقاعد الانتظار، متمنياً الرجوع بالمنقولات إلى المنزل، وهكذا من المنزل إلى القطار، ومن القطار إلى المنزل، دون أن ينادي وينتظر العائدين في القطار الآخر. رحمة هي السبب، وقد شعرت بالاضطراب والخطر الراهن أول أمس؛ عندما رنت جرس المنزل وأدخلتها أمي إلى غرفة أختي، ولكن أنا أريد أن أسافر، أفضل شيء أن أسافر، أربعة عشر هدفاً دخلت في مرماي ورغم ذلك لست السبب في الهزيمة، ما دام الكل يرغب في إحراز الأهداف، الهجمات المرتدة كفيلة بما أنجزه الفريق الآخر، قلت لهم محاولاً تخفيف السخرية: أنتم بلا خطة وليس لديكم مهارة القنص وتمرير الكرة دون أن تقعوا في فرملة التسلل، لكنهم أهانوني وذكروني بعاهة قدمي. الأغبياء لا يعلمون أنني أضطر إلى اللعب معهم - هذه اللعبة التي يعشقونها - لأن المدينة لا يوجد فيها بحار لممارسة السباحة، لذا – لا بد أن أسافر الآن. أبي ما زال يكرر أمام أمي ما قاله أمس وأول أمس وما سبق الأيام بأيام، حيث إنه يعاني من اكتئاب ورتابة نتيجة الروتين الحكومي، المدير يتعنته في العمل، معه صراعات على المنصب المؤهل له، وهو في حاجة ماسة للسفر الآن، والآن تحديداً قبل أن تنتهي الإجازة الاعتيادية ويستدعيه المدير بحجة وجود ارتباطات مهمة في العمل، رغم أنه صارح أمي متعجباً: لا توجد أي ارتباطات في تلك الفترة! إلا أن أمي لا تريد أن تسافر، والقطار لا يريد أن يأتي، وأختي متذبذبة ممتعضة، ورحمة الخبيثة تلوح لأختي بابتسامتها الصفراء وهي تركب قطار النوم إلى مرح المصيف؛ على الرصيف الرقم (1) ونحن على الرصيف الرقم (2)، المفترض أن موعد قطارنا قبل قطار رحمة، ولكن – لأن قطارنا مكيف من الدرجة الثانية فقد تأخر! لأن جرار قطار النوم معطل فوجب استبدال جرار قطارنا بجرار قطار النوم! ونحن عندما سألنا الكمساري قال: أنتم! قال أبي: نعم نحن! فرد عليه الكمساري: حين ميسرة! ولما وجد أبي غاضباً وبشدة رأى الكمساري لهجة أبي متوهجة مغتاظة، رد عليه: يا مسهل! اصبروا في الورشة يصلح المهندسين الجرار؛ وتركنا إلى محادثة أحد الإداريين مستفسراً عن ميعاد صرف المكافآت، وأبي جلس واضعاً كفاً على كف، وخده على مؤخرة المقعد بينما لا يفصله عن أمي أبي إلا متران، أمي دائماً لا تحب الرحلات، مدبرة كالعادة توفر لأجل زواج ابنتها، لقد اشترت لها كل المستلزمات الأساسية من نجف وصيني وأطباق الميلامين والأنتيكات، أهم شيء الأنتيكات! أبي قال لها واصفاً ما رآه عندما أسهم في نقل المنقولات الزوجية مع أحد زملائه ممن يغار من اهتمامه بذكر ما قدمه لبناته الثلاث من منقولات فاخرة، أهم من الأنتيكات الستائر المزركشة والمفروشات والسجاد الملون. قال أبي لأمي الشقة تصبح كالعروسة حتى لو كانت سيئة التشطيب وذكر لها أهمية المظاهر، وقال لها: أنا لا أمنعك من أن تدخري من مصروف المنزل ولكن أنا في حاجة ملحة للسفر فحالتي النفسية سيئة وهذا السفر لا يعني أننا نبالغ في الترفيه. جاء سائق التاكسي يسأل أبي عن الأجرة بعدما قال لأبي لأكثر من مرة: ولا يهمك يا باشا. براحتك. براحتك، يبدو أن قطاراً ما قادماً محملاً بالركاب العائدين وهو يرى كما يجب أن يرى أي مستثمر صغير مثله (أن عصفوراً في اليد خير من عشرة على الشجرة). لذا، لقد حسم تردده الذي قرأته في عينه مرات عديدة وقرر أن يطالب بأجرة توصيلة واحدة... من المنزل إلى القطار، أهم ما في الأمر أنني شعرت بسعادة بطيئة، فما دام السائق يئس من العودة بنا مرة ثانية؛ فأمي ستيأس أيضاً من المطالبة بالعودة إلى المنزل، ويبدو أن أختي المنهمكة في سماع الأغاني من الهادفون المعلق في أذنها نسيت أحقادها الدفينة؛ وقررت أن تسير مع المركب حيث تسير، ويبدو أن أمي قليلة الكلام استمعت لنداء أبي الوجداني وقررت أن تفك الحصالة؛ وتصرف المدخرات المقرر صرفها على حفل الخطوبة؛ للعريس الذي لم يتقدم لأختي بعد.


وها هو القطار بعدما دمر أعصابي يصرخ كالمرأة العارية؛ كاشفاً بأضوائه عتمة مخاوفي، هيا... مع السلامة... إلى القطار، إلى القطار.