موكب طويل في محاذاة البحيرة

لوحة للفنان جميل ملاعب
محمد بركة |

بعد ساعة ونصف من القيادة السلسة خارج روما، ضِمن موكب سيارات بمحاذاة البحيرة، لاحت قمة جبل شرشيو الرمادية بوعودها الغامضة. الرحلة نظمتها «فيدر تراك» لصعود الجبل عبر دروب قديمة، على أن نعود أدراجنا في اليوم التالي. قالت مانويلا: - كان يوماً لا يُنسى. وعقّب زوجها وهو يهش نحلة مزعجة: - نعم بالطبع، كيف يُنسى وقد أيقظتِ المخيم كله حين كنت تقضين حاجتك ورأيتِ شيئاً يشبه الذئب!

حين أفاقت من غفوتها، أغرقتني كارلا بموج عينيها الأزرق الهادئ المتكاسل. - ما الذي يدور هنا بالضبط؟ تساءلت وهي تحدق في عينيّ المفتوحتين باتساع «داء الفكر» الذي طالما دعت أمي الله أن يجنبني ويلاته، ومن الواضح أنه لم يستجب لتوسلاتها. أضافت وهي تدق على جبيني: - ألا يمكن أن تطفئ قليلاً هذه الشاشة التي لا تكف عن الاشتعال أبداً؟

سألتها عن برناردينو وإذا كان هناك شيء ما يجب أن أعرفه. قالت وهي تمرّغ أنفها في شعر صدري: - هذا المليونير المتصابي لا يستحق شرف أن يكون موضوعاً لحديثنا، ولكن إذا كان صاحب الجلالة يصر فلا بأس.


قالت إن الأمر بدأ الصيف الماضي حين استهلّت تعاونها مع «فيدر تراك» كمصورة محترفة لتجهيز مادة وثائقية لمعرض فني لمناسبة العيد العاشر للجمعية. ومنذ اللحظة الأولى بدأت الملاحقات بين الثري والجميلة. حاول استمالتها للعمل معه في واحدة من شركات التطوير العقاري التي يملكها. رفضت متعللة بأنها لا تريد قيوداً وظيفية. لم ييأس. أراد عقد صفقة لتمديد تعاقدها ومضاعفة حقوقها المادية مقابل أن تكون له سراً. ولأنها لم تكن تريد أن تفقد عملها، اكتفت بالرفض المهذب. استمر يلح لكنها تجاهلته تماماً وتعاملت مع الأمر على أنها أمام طفل لا ينبغي أخذه على محمل الجد، حتى ظهرتُ في حياتها فقدَّمتني إليه باعتباري صديقها. تذكرتُ كم كانت تتعمد إظهار الحميمية وكأننا نصور مشهداً ساخناً, غير أني اعتبرتُ الأمر مجرد نزوة أخرى من نزواتها التي لا تنتهي.

- كنت أظن أنه الحب فإذا بكِ تبعثين برسالة إلى من يهمه الأمر.

- نعم يا حبيبي، وكنتَ كالعادة الأحمق المثالي.

قالتها وهي تفر ضاحكة.

- ماماميا!

صرخت وهي تناديني.

- انظر ماذا وجدتُ؟

وامتدت على عشرات الأمتار شبكة من أشجار التوت البري. ثمار سوداء شهية تلوح ناضجة مثل شفاه مكتنزة تناجى قمراً مكتملاً.

- حذار،

كنت أخشى، كأي أب، على أناملها البلورية من الأشواك الحادة المنتصبة في الأغصان كتعويذة لحماية كنز قديم في أسطورة إغريقية.

- لا تصدر هذا التحذير لفتاة تربَّت في حواري روما.

حين عادت القافلة وحان وقت الغداء، تحوَّل الجميع إلى تلاميذ صغار لا حول لمعداتهم ولا قوة. جلسنا في ساحة خضراء مفروشة بالظلال. لم نكن بمفردنا. عددٌ من العشاق لم يكلفوا أنفسهم عناء السير الطويل واكتفوا باللمسات الهادئة على سرير الطبيعة. ذهبت إلى «فونتانا» قريبة لأملأ زجاجة المياه التي كادت تفرغ وحين عدتُ مجبور الخاطر بالمياه الطبيعية الباردة، وجدتُ دمعة تترقرق في عينيها وقبل أن أسأل، بادرتني: - انظر... يا ربي كم هو جميل!

كانت تشير إلى الأب الخمسينىي الوسيم الذي اصطحب معه ابنه الأكبر، 14 سنة كما سنعرف لاحقاً، وابنته ذات السنوات التسع وأخيراً هذا الملاك الأشقر الصغير المطرود من جنة الحياة الطبيعية إلى سجن الشلل. يرغي ويزبد ويسيل لعاب اللعنة من على شفتيه. الأب يمسح للابن المعاق فمه ويطعمه. الابن الأكبر يلتهم سندوتش اللحم بشهية واضحة، بينما الأخت تكتفي بكوب ضخم من زبادي الفواكه.

لم تستطع الاكتفاء بالفرجة. فتحت شباكاً لتطل روحها على الأسرة التي أصرَّ عائلُها على اصطحاب ابنه فوق دراجة صفراء ضخمة بعجلة واحدة اخترعها الفرنسيون خصيصاً لتنزه المعاقين. في غضون دقائق بدت كما لو كانت صديقة قديمة للأب وأولاده. كانوا يتكلمون بحماسة مستخدمين أقصى طاقة تعبيرية للأيادي على النحو المميز لشعوب البحر المتوسط. قُدرتُها على نسج خيوط المودة الحقيقة مع الغرباء تدهشني مجدداً.

- غرباء... ومن هم هؤلاء يا ترى؟ وجوه نلتقيها للمرة الأولى وقد تحتل قبل غروب النهار موقعاً عميقاً تحت أمواج الروح؟

تنهدت وتابعت بجدية في المساء ونحن نفترش الصالة بمرتبة ضخمة: - الشيء الذي يشغلني هو الأم. لماذا لم تحضر وإلى أي مدى يقترب الأب من التوقيع على أوراق الطلاق الرسمية؟

- ولماذا لم تسألينه؟

ابتسمت وقالت بهدوء: - سألتُه بالطبع. كيف تتوقع من فتاة تربت في حواري روما ألا تفعل. كل ما هنالك أنه كان متحفظاً في هذه الجزئية ولم أرد الإلحاح حتى لا يظن أنني أغازله.

* مجتزأ من رواية قيد النشر