الصين تحصد ثمار استراتيجيا ترامب الإيرانية

جوش روجن * |

تلتزم إدارة ترامب استراتيجية في مقاربة إيران ترمي إلى إرغام الحكومة الإيرانية على الاستسلام وتغيير أعمالها من طريق تقليص مواردها المالية. ولكن الاستراتيجية هذه تعتمد على تعاون بعض الدول مثل الصين. وبكين تؤلب واشنطن على طهران وتجني أطنان الأرباح من التأليب هذا. وأرست العقوبات على إيران إجراءات تقتص من الشركات الدولية التي تتعامل مع القطاع النفطي الإيراني. والغاية من العقوبات هذه تقليص صادرات إيران النفطية إلى الصفر، بحسب مايك بومبيو، وزير الخارجية الأميركي. ولكن الصين، وهي أبرز مستوردي النفط الإيراني، حازت إعفاء من العقوبات لمدة ستة أشهر. وحين سئل بومبيو أكثر من مرة على قناة «فوكس نيوز» ما إذا كانت الصين ستمتثل للقانون الأميركي القائل أن الإعفاء يسري إذا قلص البلد المعفي استيرادته من النفط الإيراني تقليصاً يعتد به، تهرب من الجواب. ولكن الصقور في الكونغرس يرون أن الإعفاءات تقوض الغاية من العقوبات: «الضغط إلى أقصى حد» على إيران.


وإلى اليوم، تفاصيل الالتزامات الصينية مع الولايات المتحدة في مسألة العقوبات، سرية. ولكن ما هو ثابت أن بكين تماشي واشنطن من جهة، وتفعل ما تشاء، من جهة أخرى. فالشركات الصينية العامة قلصت استيراد النفط الإيراني من 800 ألف برميل يومياً في آب (أغسطس) المنصرم، إلى 500 ألف برميل يومياً في أيلول (سبتمبر) الماضي.

وأعلن مسؤولون صينيون أنهم لن ينزلوا على طلبات واشنطن التوقف كلياً عن استيراد النفط الإيراني. واتخذت الشركات الصينية إجراءات تضمن تدفق النفط الإيراني، إثر العقوبات الأميركية. فعلى سبيل المثل، لجأت الشركات الصينية إلى ناقلات إيرانية في نقل النفط، عوض استخدام الناقلات الخاصة بها لتقليص الأخطار. وحازت الشركات هذه حسومات كبيرة على سعر النفط الإيراني، في وقت طهران في موقف حرج وعسير: فهي لا ترغب في خسارة التجارة مع الصين أمام السعودية التي تطرق بابها (الصين) وتعرض عليها أسعاراً نفطية مخفضة. وتجني بكين أرباحاً من طريق سبل أخرى. وفي وقت توقف بنك كولون الصيني عن التعامل مع إيران لتفادي العقوبات الأميركية، تحتفظ بكين بأموال إيران في حساب صيني غير جارٍ، هو في مثابة حساب مؤونة محبوسة. ويقتصر استخدام هذه الأموال، استناداً إلى القانون الأميركي، على شراء سلع لا تشملها العقوبات من الصين - وهذا مورد ربح مالي اضافي للشركات الصينية. فـ «إيران تحت رحمة الصين... فإثر العقوبات، يسع بكين حمل طهران على خفض سعر النفط مقابل سلع صينية مضخمة الأسعار»، يقول مارك دوبوفيتز، النائب التنفيذي في «فوندايشن فور ديفنس أوف ديموقراسيز». ولا حاجة لإيران بمعظم السلع الصينية هذه، يقول دوبوفيتز. وعلى خلاف الشركات الصينية، تقطع الشركات الأوروبية علاقات الأعمال في مجال النفط مع إيران.

وعليه، يتعاظم اعتماد طهران أكثر فأكثر على السوق الصينية، ويتفاقم ضعفها أمام التكتيكات الصينية. ويرى دوبوفيتز أن العقوبات هذه، على خلاف المرتجى، تعزز قبضة التجار الصينيين وتطلق أيدبهم في ما يجيدونه على أمثل وجه: الضغط أو سحق من هو في الموقع الأضعف في التفاوض. وتستغل الصين الاسترايجية الأميركية إزاء إيران لجني الأموال، وتقوض استراتيجية ترامب. فهي تعزز وزنها في وقت تجبه حرب تجارية شنتها إدارة دونالد ترامب عليها. والعقوبات هذه تقدم ذريعة جديدة إلى شي جينبينغ للزعم أن بلاده قوة اقتصادية دولية معولمة ومسؤولة، على خلاف واشنطن، القوة الأحادية والمخربة.

وأعمال الصين هذه تسلط الضوء على خلو وفاض فريق ترامب من خطة لتقليص صادرات إيران النفطية. ويرجح أن يُجدد إعفاء الصين من العقوبات لستة أشهر جديدة، إثر انقضاء الأشهر الستة المقبلة. ولا سبيل إلى بلوغ استراتيجية ترامب مبتغاها، «الضغط إلى اقصى حد» على إيران، من دون تعاون الصين. وبكين تنتظر تقاضي ثمن التعاون هذا.

* معلق، عن «واشنطن بوست» الأميركية، 5/11/2018، إعداد منال ننحاس

الأكثر قراءة في الرأي