ما بين ماتيس وترامب

ديفيد إيغناسيوس * |

الى اليوم، كان جواب جيم ماتيس، وزير الدفاع الأميركي، عن إعلان الرئيس دونالد ترامب عزمه على إرسال 15 ألف جندي الى الحدود الأميركية – المكسكية، لجبه ما يرى خبراء كثيرون أنه خطر «غير موجود»، هو التأييد والصمت. وعلى رغم أن النفي والغضب كانا جواب ماتيس لمراسل سأله عما إذا كان نشر الجنود على الحدود مع المكسيك هو حيلة سياسية، يرى كثيرون من زملائه أنه يدعم دعماً مضمراً خطاب ترامب التحريضي على المهاجرين و»اجتياحهم». والحق يقال أن مشاهدة ماتيس وهو يغامر بالسير مثل بهلوان على حبل سياسات ترامب ويوازن بين مقتضيات منصبه وخطاب الرئيس، أليمة. فالجنرال المتقاعد هو في عين أميركيين كثيرين نموذج الرجل المستقيم - فهو المستقل وصاحب خبرات تخوّله شد أواصر الأمة الأميركية في وقت الانقسام. لكن حين التعامل مع ترامب، غالباً ما يتنحى ماتيس جانباً ويسعى من دون جلبة الى التعامل مع خطاب الرئيس التقسيمي والهائج. فهو على ما يبدو يسعى الى تطويق النيران والعمل من الداخل لإقرار سياسات معقولة.


لكن ماتيس اليوم يغامر بخسارة صدقيته أمام الطرفين (وزارة الدفاع، المجتمع الأميركي) والرئيس. ويبدو أن ترامب لم يعد يمنحه الثقة المطلقة، وبعض زملائه في البنتاغون يتساءلون عن دواعي صمته عن سياسات تفتقر الى الحكمة، والتزامه موقف المتفرج. ولا شك في أن دور ماتيس في الإدارة الأميركية بالغ الأهمية، شأن صدقيته أمام الأميركيين.

ونشر القوات الأميركية على الحدود مقلق في أوساط المارينز من جيل ماتيس. فهم يتذكرون حادثة وقعت في غرب تكساس في أيار (مايو) 1997: إطلاق العريف كليمنت بانيولوس النيران على راع أميركي في الثامنة عشرة أثناء دعم المارينز عمليات مكافحة تجارة المخدرات. فالعريف بانيولوس حسِب أن راعي الماعز يطلق النار على المارينز.

ويومها، خلص القادة العسكريون من الحادثة هذه الى وجوب الامتناع عن اللجوء الى القوات المدربة على قتل العدو في أعمال الشرطة - وعلى وجه التحديد في عمليات ضبط أمن الحدود، وهي عمليات كانت يومها بالغة التسييس، شأنها اليوم. «لم يكن استخدام المارينز في محله. فنشرهم لجبه حادثة محلية وهم مدججون بالسلاح ويسيّرون الدوريات، لم يكن ملائماً»، يقول اللفتانت جنرال المتقاعد غريغ نيوبولد، وهو صديق قديم لماتيس، عن حادثة 1997. ونيوبولد تقاعد في 2002 احتجاجاً على خطة اجتياح العراق، وهو اليوم واثق بأن ماتيس سيدير دفة نشر المارينز اليوم إدارةً تبعدهم من المواجهات المباشرة. والتردد في إرسال قوات للمشاركة في عمليات مبهمة الباعث عليها دواع سياسية، عميق. ويقول نيوبولد أن تفجير مقرهم في بيروت في 1983 خلّف أثراً عميقاً في قوات المارينز. ومذاك، صار ملحاً جواب سؤال عن جواز استخدام المارينز أسباباً سياسية شائكة وليس لحاجة عسكرية، على نحو ما كانت الحال في بيروت.

وتعاظمت حدة مشكلة السعي الى حل عسكري لمشكلات سياسية في الأشهر الأخيرة، مع تأجيج ترامب المخاوف من قافلة مهاجرين تقترب من الحدود مع المكسيك. ويريد المهاجرون هؤلاء، وعددهم حوالى 3500 مهاجر، طلب اللجوء في الولايات المتحدة. وفي تغريدة في 29 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، نفث ترامب غضبه قائلاً: هذا اجتياح لبلدنا... جيشنا ينتظركم!». وقبل أمر الرئيس بنشر قوات عسكرية على الحدود، كان الشقاق بين ماتيس وترامب، يبرز. فالرئيس هاجم وزير دفاعه في منتصف الشهر الماضي في مقابلة تلفزيونية، واصفاً إياه بأنه نوعاً ما ديموقرطي الميل، وقد يغادر منصبه. وسارع ماتيس الى إعلان ولائه، ونفى احتمال مغادرته منصبه. واتصل به ترامب إثر المقابلة التلفزيونية ليبلغه أنه يؤيده «100 في المئة».

وليست مسألة إذعان ماتيس للأوامر شاغل دوائر وزارة الدفاع الأميركية، اليتيم. فكثير من المسؤولين السابقين تساءلوا، إثر إرسال وزارة الدفاع 7 آلاف جندي على الحدود، عن صمت الجنرال جوزيف أف. دانفورد جونيور، رئيس هيئة الأركان المشتركة. وقال جنرال متقاعد أن الاعتراض واجب في بعض المراحل، وأن نشر القوات هذه هو مضيعة للوقت والمال، وأن الباعث عليه سياسي بحت. ويريد الأميركيون بقاء ماتيس في منصبه، فهم يثقون في حكمه السديد ويعولون على احتجاجه على سوء استخدام الصلاحيات في اللجوء الى الجيش لغايات سياسية. لكن مع نشر الجيش على الحدود، وهو انتشار غير مشروع، يبدو أن الوقوع في المحظور وشيك.

* معلق، كاتب، عن «واشنطن بوست» الأميركية، 1/11/2018، إعداد منال نحاس

الأكثر قراءة في الرأي